.

. (( الفرح المشروع )) خطبة جمعة للشيخ الفاضل أبي بلال الحضرمي حفظه الله تعالى 12 ذو القعدة 1441 هـ  


العودة   منتديات الحامي السلفية > منتديات الحامي السلفية > الردود العلمية للدفاع عن السنة النبوية

الردود العلمية للدفاع عن السنة النبوية للدفاع عن السنة المطهرة ونهج السلف الصالح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-04-12, 07:21 PM   #1

ثبّته الله تعالى على السنة

 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 397
معدل تقييم المستوى: 9
أبوسليم عبد الله الصومالي is on a distinguished road
a12 [كشف اللمسات بمن حكم على شرح السنة التجاوزات] لشيخنا أبي سفيان الزيلعي أعانه الله


كشف اللمسات
بمن حكم على شرح السنة التجاوزات


تأليف:
أبي سفيان الزيلعي حفظه الله

مقدمة المؤلف:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مظل له، ومن يظلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ه لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون)(102)
يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتّقوا اللّه الّذي تساءلون به والأرحام إنّ اللّه كان عليكم رقيبًا(1)
يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وقولوا قولاً سديدًا(70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا(71)
أما بعد،،،
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فهذه الرسالة موجزة ومختصرة ومأخوذة من شرح السنة للإمام البربهاري رحمه الله وهي مفيدة ومقتبسة ومخرجة من عبارات المؤلف المشكلة، وكشفت فيها غوامض الكلمات مع تعليقات المهمة, حتى لا يجد أهل البدع، في هذا متمسك وحللت بها مبهمات لنخيب أمل أهل الزيغ والتأويل، لتكون هذه الرسالة منارة لأهل الحق وشجى من حلوق أهل الباطل، لذلك نفيت عن الرسالة ظنون الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وسبب اختياري من هذه الرسالة رد أناس [ فهموا عن الإمام البربهاري, أنه وقع في بعض التجاوزات وأن ظاهر كلامه يفهم منه التكفير والتفسيق وتهوين المعاصي ]، .
لذلك حاولت أن أبين عن هذه الرسالة مراد المؤلف بكلام أهل العلم الذين شرحوا هذه الرسالة ونقحوها تنقيحاً يوضح المراد مع زيادات كلام غيرهم.
وسميتها :" كشف اللمسات بمن حكم على شرح السنة التجاوزات "
كتبه: أبو سفيان الزيلعي

ترجمة للبربهاري رحمه الله.

« التعريف بالبربهاري »
اسمه وكنيته ونسبته
هو الإمام القدوة المجاهد شيخ أهل السنة والجماعة في عصره .
أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري رحمه الله .
نسب الإمام البربهاري إلى ( البربهار ) وهي أدوية كانت تجلب من الهند,
ويقال لجالبها البربهاري، ولعلها ما يسمى اليوم بالبهارات .
ونسبة إلى " بربهار " وهي الأدوية ألتي تجلب من الهند من الحشيش والعقاقير والفلوس وغيرها ومن يجلبها يقال له: البربهاري. ([1])
« مكانته العلمية »
قال الأزهري رحمه الله قال لي أبو عبد الله بن بطة الفقيه " إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار وأبا محمد البربهاري فاعلم انه صاحب سنة ". ([2])
« ثناء العلماء عليه »
قال ابن الجوزي رحمه الله " جمع العلم والزهد " ([3])
وقال ابن كثير رحمه الله " العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ .. وكان كبير القدر تعظمة الخاصة والعامة " ([4])
وقال الإمام الذهبي رحمه الله " البربهاري شيخ الحنابلة القدوة الامام، أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري الفقيه ,كان قوالا بالحق، داعية إلى الاثر، لا يخاف في الله لومة لائم ." .([5])
وقال ابن أبي يعلى رحمه الله " شيخ الطائفة في وقته ومتقدمها ... وكان له صيت عند السلطان وقدم عند الأصحاب وكان أحد الأئمة العارفين والحفاظ للأصول المتقنين والثقات المؤمنين " ([6])
وقال الصفدي رحمه الله " شيخ الحنابلة ومقدمهم، الفقيه العابد وكان عارفاً بالمذهب أصوله وفروعه "
« موقفه من أهل البدع ([7]
قال ابن الجوزي رحمه الله " وكان شديداً على أهل البدع "([8])
وقال ابن كثير رحمه الله " وكان شديداً على أهل البدع والمعاصي " ([9])
وقال ابن أبي يعلى رحمه الله " وكان مقدماً في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان "([10])
وقال الزركلي رحمه الله " البربهاري الحسن بن علي بن خلف البربهاري، أبو محمد: شيخ الحنابلة في وقته ,من أهل بغداد,كان شديداً الإنكار على أهل البدع، بيده ولسانه,وكثر مخالفوه "([11])
وقال خالد الردادي حفظه الله " لقد كان الإمام البربهاري شديداً على أهل البدع والأهواء منابدذاً باليد واللسان وهو في هذا كله متبع لمسلك أهل السنة والجماعة في معاملة أهل البدع والأهواء فقد كان حريصاً على صفاء هذا الدين وإبعاد كل ماعلق به من البدع الأهواء , فقد كان إماماً قدوة عارفاً بالله سنياً سيفاً مصلتاً على أهل البدع والزندقة " ([12])
« وفاته »
" تقدم الإمام القاهر إلى وزيره أبي علي بن مقلة بالقبض عليه؛ لتنقطع الفتن فاستتر، فقبض على جماعة من أصحابه ونفوا إلى البصرة .
ثم إن البربهاري ظهر في أيام الراضي وظهر أصحابه وانتشروا وعادوا إلى ما نهوا عنه، فتقدم الراضي بالله إلى بدر الخرشني، صاحب الشرطة ببغداد، بالركوب والنداء أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر البربهاري أيضاً. وتوفي في الاستتار الثاني سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ."([13])




وبعد هذا العرض الموجز من ترجمة الإمام رحمه الله نذكر العبارات التي فهمت بغير مراد المؤلف وهي ما يلي :-
قال الإمام البربهاري رحمة الله علينا وعليه:
فمن السنة لزوم الجماعة فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالاً مضلاً.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 61:
كان من عادة العرب أنهم يضعون للأغنام رباطاً في رقابها حتى لا تتفرق وتضيع ويأكلها الذئب وهذه الأربطة متصلة بحبل واحد يجمعها من أجل المحافظة عليها فشبه النبي r لزوم الجماعة بهذا الأمر فإن الجماعة هي الرباط الواقي من المهالك.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم وعلمه عند الله وعند رسوله.
فلا تتبع شيئاً بهواك.
فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام فإنه لا حجة لك فقد بين رسول الله r لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة والسواد الأعظم والسواد الأعظم الحق وأهله.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 82- 86:
لا تتبع شيئاً بهواك ورغبتك ولكن يكون هواك ورغبتك تابعين لما جاء عن الله ورسوله r فلا تهوى إلا ما جاء عن الله ورسوله ولا ترغب إلا ما جاء عن الله ورسوله هذا هو سبيل النجاة إذا اتبعت هواك صرت من الذين اتبعوا أهواءهم ولم يتبعوا الوحي المنزل، قال تعالى:﴿فإن لّم يستجيبوا لك فاعلم أنّما يتّبعون أهواءهم ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدًى مّن اللّه إنّ اللّه لا يهدي القوم الظّالمين}القصص50.
وقال تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق}.
قال تعالى: ﴿ثمّ جعلناك على شريعة مّن الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون{18}.
فأنت بين أمرين إما أن تتبع الدين الصحيح وإما أن تتبع الهوى لا ثالث لهما.
قوله فتمرق:
من اتبع هواه فإنه يمرق من الدين ولو على المدى البعيد أول شيء يتساهل في المخالفة والهوى ثم يتعاظم اتباع الهوى إلى أن يخرج من الدين فيصير دينه هواه كما قال جل وعلا:﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم...﴾
فالهوى إله آخر وليس الشرك مقصوراً على عبادة الصنم أو الوثن.
بل هناك شيء آخر وهو الهوى فقد لا يعبد الإنسان الأصنام والأشجار والأحجار ولا يعبد القبور.
لكن تتبع هواه فهذا عبد لهواه.
فعلى الإنسان أن يحذر ولا يتبع إلا ما وافق الكتاب والسنة.
قوله: لا حجة لك.
لا حجة لمن خالف واتبع هواه.
لأنه ضل بعد البيان وبعد العلم.
﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم...﴾.
ليس جاهلاً بل يعرف الكتاب والسنة ويعرف أقوال أهل العلم لكنها لا توافق هواه فيتركها ويأخذ ما يوافق هواه.
هذا هو الضلال والعياذ بالله.
فإتباع الهوى خطير جداً فعلى الإنسان أن يحذر من إتباع الهوى.
فالواجب على الإنسان أن يحذر من هواه فإنه قد يسلم من عبادة الأصنام والأحجار والأشجار والقبور ويعرف التوحيد ويعرف السنة لكن لم يسلم من إتباع هواه وهذه مصيبة عظيمة فعلى المسلم أن يحذر من إتباع هواه ويكون هواه تبعاً لما جاء عن الرسول.
وقال أبو حاتم : الأمر بالجماعة بلفظ العموم والمراد منه الخاص لأن الجماعة هي إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن لزم ما كانوا عليه وشذ عن من بعدهم لم يكن بشاق للجماعة ولا مفارق لها ومن شذ عنهم وتبع من بعدهم كا شاقا للجماعة والجماعة بعد الصحابة هم أقوام اجتمع فيهم الدين والعقل والعلم ولزموا ترك الهوى فيما هم فيه وإن قلت أعدادهم لا أوباش الناس ورعاعهم وإن كثروا. اهـ صحيح ابن حبان 14 / 124
قال الإمام الشافعي كما في الاعتصام2-273-270
إن الذي أشربها من شأنه أن يدعوا إلى بدعته فيظهر بسببها المعاداة.
وقال أيضاً أن من أشربها ناصب عليها بالدعوة المقترنة بالخروج عن الجماعة والسواد الأعظم وهي الخاصية التي ظهرت في الخوارج و سائر من كان على رأيهم .
إن صاحب الهوى إذا دخل قلبه وأشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة و لا يقبل البرهان .
وقال الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة 2 / 411
لأن اتباعها عند العلماء هو الأخذ بسنن النبي صلى الله عليه وسلم التي صحت عنه التي أمر بالأخذ بما أمر ، والانتهاء عما نهى ، وهذه دلالة ظاهرة لأهل السنة باستحقاقهم هذا الاسم دون ما اتبع الرأي والهوى .
فإن قيل : الأمر كما قلت . غير أن كل فرقة تحتج لمذهبه بحجة ، قيل : من احتج بحديث ضعيف في معارضة حديث صحيح ، أو حديث مرسل في معارضة حديث مسند ، أو احتج بقول تابعي في معارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يتساويان . فإن من اتبع قول الرسول فقد استمسك بما هو الحجة قطعاً ، ومن احتج بالثابت القوي أحسن حالاً ممن احتج بالواهي الضعيف ، وبهذا استبان الاتباع من غيره ، لأن صاحب السنة لا يتبع إلا ما هو الأقوى وأصحاب الأهواء وصاحب الهوى يتبع ما يهوى .
قال الإمام الشاطبي في الاعتصام 2-52 :
أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعاً للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين ألا ترى قول الله تعالى: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده،وهو الحق والهوى وعزل العقل مجرداً إذلا يمكن في العادة إلا ذلك والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فكان أضل الناس
وهو يظن أنه على هدى.اهـ.
دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية 1 / 84
قال الحسن البصري رحمه الله: (اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم)،
وقال مالك بن دينار رحمه الله: (بئس العبد عبد همه هواه وبطنه) ،
وقال ابن تيمية رحمه الله: (المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه) ، وقد ذكر الشعبي رحمه الله سبب تسمية الهوى فقال: (إنما سمي الهوى، لأنه يهوي بصاحبه).
وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه..
من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة، أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه، وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى، ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائماً، إن كان طالباً لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفاً من زواله وفراقه
وقال القرطبي في تفسيره 15 / 122
وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله؛ فلما لم يبذل النفس عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسبما تقدم بيانه في "الأنبياء"، وآثر هواه لزمه اسم الآبق،
وقال القرطبي في تفسيره 19 / 208
قال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة؛ لقوله عز وجل: {وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى} قال عبدالله بن مسعود: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق فنعوذ بالله من ذلك الزمان.
وقال محمد بن علي بن الحسن في نوادر الأصول في أحاديث الرسول 4 / 164
فالعبودة في ترك الهوى واتباع ما جاء به فكل امرئ اجتمع فيه هذه الخصال الست فقد استكمل العبودة الحق والصواب والعدل والصدق والأدب
وقال ابن الجوزي في صيد الخاطر 1 / 2
فإياك إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى، مع مقاربة الفتنة. فإن الهوى مكايد.

قال الإمام البربهاري رحمه الله:
فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر.
قال صالح الفوزان في إتحاف 89:
كفر يحتمل الكفر الأكبر ويحتمل الكفر الأصغر بحسب المخالفة.
فقوله فقد كفر ليس معناه أنه كفر الكفر المخرج من الملة مطلقاً قد يكون هذا وقد يكون الكفر الأصغر.
المهم أن مخالفة السلف كفر قد يكون أكبر وقد يكون أصغر حسب المخالفة.
أو أن المراد أنه إذا خالفهم في أول الأمر بالشيء اليسير ثم بالتدرج يخرج من الدين بالكلية فيؤول أمره إلى الكفر إذا استمر المخالفة فيؤول أمره إلى الكفر الأكبر فيخرج من الدين كله يتدرج به الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء حتى يخرج من الدين كله.
وقال صالح السحيمي:
أراد المصنف الذين خرجوا من الدين مثل جهمي والمريسي وغيرهم.
وقال عمر بن عبدالمنعم في رياض الجنة 52
وأما قول المصنف:
فإما أن المصنف يقصد بالكفر كفر العمل أو الكفر الأصغر والذي يطلق لأجل التغليط والتشديد والزجر.
وإما أنه يقصد الكفر الأكبر فيكون محمولاً على ما إذا أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة بعد أن تقام عليه الحجة وتمتنع عنه موانع العذر بالجهل.
ومثل هذا الحكم لا يكون إلا لأهل العلم ومن معهم من أهل الحل والعقد وولاة الأمر.
وقد يقصد بها من خالف طريق السنة فوقع في شيء من بدع الجهمية ومن قال بخلق القرآن أو في بدعة الرفض وسب الأصحاب ونحوها من البدع المكفرة المغلطة وأما الأخذ بظاهر قول المصنف وإطلاقه فغير صحيح والله أعلم.
وقال خالد الردادي في شرح السنة 60
وهذا ليس على إطلاقه
فالكفر لا يطلق إلا على من تحقق وقوعه في مكفر من المكفرات وانتفت عنه موانع التكفير كما قال شيخ الإسلام كما في 12/487
إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وكل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطيع الخروج منها فعظمت وصارت ديناً يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام.
قال صالح الفوزان في إتحاف 101:
يعني أن صاحب البدعة يتجارى به الأمر حتى يكون دينه كله بدعاً ويخرج من الإسلام إذا لم يبق في دينه شيء من السنن.
وقال صالح السحيمي ولم يقصد البدع كلها ولكن أراد البدعة المكفرة كالروافض والباطنية.
وقال خالد الردادي في شرح السنة 71
فإن البدع منها ما هو مخرج من الإسلام ومنها ما هو دون ذلك بكثير ولا يخرج صاحبها عن مسمى الإسلام ولا ريب أن البدع كلها شر.
وهي تأخذ بصاحبها تدريجياً حتى تحرفه عن الإسلام.
ولعل هذا ما عناه المؤلف رحمه الله.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا بالقياس والرأي وكفروا من خالفهم فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا علم له حتى كفروا من حيث لا يعلمون فهلكت الأمة من وجوه وكفرت من وجوه وتزندقت من وجوه وضلت من وجوه وتفرقت وابتدعت من وجوه إلا من ثبت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال صالح الفوزان في إتحاف 102:
كفروا من حيث لا يعلمون
فالإنسان قد يقول مقالة كفرية وهو لا يدري أنها كفرية بسبب جهله فهو يقول الكفر ويروج الكفر وهو لم يعلم أنه كفر بسبب أنه تدخل في شيء لا يحسنه فالخطر عظيم عليه وعلى الأمة وهو لو اقتصر الخطر عليه كان أخف ولكن المشكلة أن هذا ينتشر على الأمة.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
فصارت السنة وأهلها مكتومين وظهرت البدع وفشت وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى
وقال خالد الردادي في شرح السنة 60
مقصود المؤلف رحمه الله أنهم وقعوا في الكفر أو ما يؤلوهم إليهم ولا يراد بهذا تكفيرهم.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح فمن كان هكذا فلا دين له قال الله تعالى ( فمن اختلفوا إلا من بعد ما جاء هم العلم بغياً بينهم ) وقال( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاء تهم البينات بغياً بينهم ) وهم علماء السوء أصحاب الطمع.
قال صالح السحيمي ومثل هذا أصحاب التحزب الذين لا يعرفون إلا التحزب .
قال صالح الفوزان في أتحاف 2/39:
الذي يتذبذب ليس له دين فهو منافق.
قال تعالى:﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضل الله فلن تجد له سبيلاً﴾.
فالمذبذب هذا ليس له دين.
وقال صالح السحيمي
هذا ينظر إلى البدع وصاحب البدع ماذا توصل إليه وليس على إطلاقه.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
فليس لأحد رخصة في شي أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله أويكون رجل يدعوا إلى شي أحدثه من قبله من أهل البدع فهو كمن أحدثه فمن زعم ذلك أو قال به فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة وأباح البدع وهو أضر على هذه الأمة من إبليس.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2/66:
الذي يروج البدع ويزهد في السنن هذا أضر على الأمة من إبليس لأن الناس يعرفون أن إبليس عدو وأن الله حذرنا منه.
لكن هذا لا يدري كثير من الناس أنه عدو لأنه متلبس بالإسلام وبالعلم ويتظاهر بالخير فهو أضر من إبليس المصرح بالعداوة ولذلك المنافقون أخطر على المسلمين من الكفار ولأن الكفار معلوم أنهم كافر.
أما هؤلاء فيتظاهرون بالإسلام ويكيدون للمسلمين شراً في داخل الجماعة المسلمة فهم أخطر.
لهذا قال الله جلا وعلا فيهم:﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾.
قال عبدالغني رحمه الله في الاقتصاد 222:
واعلم رحمك الله أن الإسلام وأهله أتو من طوائف ثلاث فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار.
وأخرى قالوا بصحتها وقبولها ثم تأولوها فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى والثالثة جانبوا القولين الأولين وأخذوا بزعمهم ينزهون وهم يكذبون فأداهم ذلك إلى القولين الأولين وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله كما في طبقات 6/274 والحلية 4/233
والله إنهم أبغض إلي من أهل الكتاب
وقال ابن مفلح رحمه الله في الفروع 10/284
ويحرم بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين لأن فيه أعظم الضرر ولأنهم دعاة.
واليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة 5/284 ومجموع 28/232
أنهم شر على المسلمين من غيرهم.
فإنهم لم يكن أشراً على المسلمين منهم لا اليهود ولا النصارى.
فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2 / 98:
من خرج عن منهج أهل السنة والجماعة الذي بين في هذا الكتاب وغيره من كتب الاعتقاد الصحيح.
من خرج عن هذا المنهج فإنه يكون مع أهل الضلال مع المبتدعة مع المعتزلة مع الجهمية مع الفرق الضالة.
قال جل وعلا ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ فلا بد أن الإنسان يعرف الحق أولاً وما عليه سلف الأمة لا ينظر إلى كثرة المذاهب وكثرة الأقوال وإنما ينظر إلى شيء واحد هو ما عليه سلف هذه الأمة .
قوله ليس يدين لله بدين.
لأنه على منهج أهل الضلال من خالف الكتاب والسنة ومنهج السلف فهو على منهج الضلال.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
ألا ترى أن يونس علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2/235:
هذه هي الحكمة في كونه لا يجلس إلى المبتدع أما أن يجلس إلى صاحب السنة وإن كان ناقصاً في دينه وإيمانه.
فإن الضرر الذي يحصل بمجالسة المبتدع أشد من الضرر الذي يحصل من مجالسة صاحب السنة العاصي.
لأن صاحب البدعة يدعوك على البدعة وإلى مخالفة الكتاب والسنة.
أما العاصي فإنه لا يحذرك من الكتاب والسنة لا يحذرك من إتباع السنة أبداً ففيه فرق بين توجيه هذا وتوجيه هذا غاية ما يكون أنه قد يحسن لك فعل المعصية فقط أما إنه يحذرك من السنة فلا.
لا يحذرك من السنة بل يحترم السنة ويعظم السنة بخلاف المبتدع فإنه لا يعظم السنة.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤادي وبشر المريسي وثمامة أو أبا الهذيلي أو هشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم فاحذره فإنه صاحب بدعة فإن هؤلاء كانوا على الردة وترك هذا الرجل الذي يذكرهم بخير ومن ذكر منهم.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2/239:
أي بعضهم مرتد وهم أئمة الجهمية والمعتزلة الذين تعمدوا مخالفة الكتاب والسنة هؤلاء لا شك في كفرهم.
أما المقلد منهم فيحكم عليه بالضلال ولا يحكم عليه بالكفر حتى يبين له أئمتهم ودعاتهم فهم يعرفون ما هم عليه من الضلال فلذلك حكم عليهم بالردة.
قال شيت بن إبراهيم بن الحاج رحمه الله في حز الغلاصم في إقحام المخاصم 110
فبين سبحانه بقوله وقد نزل عليكم في الكتاب ما كان أمرهم به من قوله في السورة المكية (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ثم بين في هذه السورة المدنية أن مجالسة من هذه صفته لحوق به في اعتقاده و قد ذهب قوم من أئمة هذه الأمة إلى هذا المذ هب و حكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة و المخالطة منهم أحمد بن حنبل و الأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل شـأنه مجالسة أهل البدع قالوا ينهى عن مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم يعنون في الحكم قيل لهم فإنه يقول أني أجالسهم لأباينهم و أرد عليهم قالوا ينهى عن مجالستهم فإن لم
ينته ألحق بهم .اهـ.
قال أبو العباس رحمه الله في مجموع الفتاوى 2-133
وهكذا هؤلاء الاتحادية فرؤسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر وهم الذين يفهمون قولهم ومخالفتهم لدين المسلمين،ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أوأثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو - إلى أن قال- فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كالقطاع الطريق.- إلى أن قال- ومن كان محسناً للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم.اهـ.
قال عقبة رحمه الله كما في تاريخ دمشق8- 15
كنت عند أرطأة بن المنذر رحمه الله فقال بعض أهل المجلس ما تقول في الرجل يجالس أهل السنة ويخالطهم فإذا ذكر أهل البدع قال دعونا من ذكرهم لا تذكروهم قال أرطأة هو منهم لايلبس عليكم أمره قال أنكرت ذلك من قول أرطأة فقدمت على الأوزاعي رحمه الله وكان كشافاً لهذه الأشياء إذا بلغته فقال صدق أرطأة والقول ماقال هذا ينهى عن ذكرهم ومتى يحذروا إذا لم يشار بذكرهم .اهـ
قال أبو داود السجتاني رحمه الله كما في طبقات الحنابلة 1-160 رقم 216
قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه قال لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به، قال ابن مسعود . المرء بخذنه.اهـ.
قال ابن بطال رحمه الله كما في الفتح 13-345 :
عند حديث أنس من أحدث فيها – المدينة – حدثاً فعليه لعنة الله.دل الحديث على أن من أحدث محدثاً أو آوى محدثاً في غير المدنية أنه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة وإن كان قد علم أن من آوى أهل المعاصي أنه يشاركهم في الإثم فإن من رضي فعل قوم وعملهم ألحق بهم.اهـ.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وإذا رأيت الرجل ردي الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً، صاحب معاص ظالماً وهو من أهل السنة فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس تضرك معصيته.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2/227:
مصاحبتك للفاسق السني على ما فيه من الفسق وفعل المعاصي، ومجالستك له خير من مجالستك للمبتدع، لأن العاصي يعرف أنه عاصي، ويرجى أنه يتوب بخلاف المبتدع فإنه يعتقد أنه على حق، ولا يتوب، فالمبتدعة لا يتوبون في الغالب، لأنهم يرون أنهم على حق فليس هذا معناه أنك تجالس العصاة، ولكن معناه أن مجالسة العصاة من أهل السنة خير من مجالسة المبتدعة وإن كان ظاهرهم العبادة والصلاح، هذا قصد المؤلف رحمه الله، ولا شك أن البدعة شر وأحب إلى الشيطان من المعصية لأن صاحب البدعة لا يتوب منها، بخلاف صاحب المعصية فإنه يرجى أن يتوب منها، لأنه يعتقد أنها معصية ويخجل ولا يبينها بخلاف المبتدع.
قوله (وهو من أهل السنة فاصحبه)
أي: مالم يخرج عن الإسلام إنما عنده كبائر دون الشرك، وليس عنده بدع، فمجالستك له أخف من مجالسة المبتدع، وإن كان المبتدع يظهر الصلاح والتقى، وكما ذكرت ليس معنى هذا أن الشيخ يقول لك جالس أهل المعاصي، وإنما هو يقارن بين مفسدة مجالسة العاصي، ومفسدة مجالس المبتدع فمفسدة مجالس المبتدع أشد من مجالسة العاصي فكيف بصاحب السنة المتمسك؟ إذا كانت مجالسة صاحب السنة العاصي خير من مجالسة المبتدعة، فكيف بمجالسة صاحب السنة المهتدي المتمسك؟ هذا هو الجليس الصالح.
قوله (فإنه ليس تضرك معصيته)
لأن معصيته عليه، هذا من باب المقارنة ولكن المبتدع تضرك بدعته، أما العاصي فلا تضرك معصيته.
وقال عبدالرحمن بن أحمد الجميزي حفظه الله في شرح السنة 120
مراد المؤلف رحمه الله بيان شناعة البدعة وقبيح شأنها وعظم ضرر صاحبها وأن فاسق أهل السنة أخف ضرراً منه فإنه مع فسقه لا يفسد عليك اعتقادك وليس هذا أمراً من المؤلف بصحبة الفساق كما ترى.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترقاً بالعبادة صاحب هوى، فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه، ولا تمشي معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 2/229:
فلا تغتر بكون المبتدع يظهر التنسك والعبادة والزهد والتقشف، ويصلي بالليل مادام أنه عنده هوى وبدعة فلا تتساهل فيه ابتعد عنه غاية الإبتعاد، وكما قال بعض السلف اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.
قوله: ولا تمشي معه في طريق:
هذا عطف على ما سبق من التحذير من مصاحبة المبتدعة ومجالسة المبتدعة، والرسول حذر من هذا قال:(إياكم ومحدثات الأمور) إياكم هذا تحذير، وقال:(شر الأمور محدثاتها) فالبدعة شر من المعصية والمبتدع شر من العاصي فيجب أن يتبنه لهذا الأمر(ولا تمشي معه في طريق) لأنه يؤثر عليك ويدخل عليك البدعة، لا سيما وأنت تحسن الظن به لما يظهر منه من العبادة والتقشف والزهد فتسري عليك بدعته فهو خطير جداً، كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح ببائع المسك، فإما أن يعطيك من مسكه وإما أن تشتري منه، وأما أن تجد منه رائحة طيبة ما دمت جالساً عنده إن لم تحصل منه على شيء لا بالهبة ولا بالبيع، فإنك تجد رائحة المسك وأنت جالس عنده، أما جليس السوء فهو كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وأما أن تجد منه رائحة خبيثة. وهذا ينطبق على جماعة التبليغ الذين قد اغتر بهم كثير من الناس اليوم نظراً لما يظهر منهم من التعبد وتتويب العصاة كما يقولون، وشدة تأثيرهم على من يصحبهم، ولكن هم يخرجون العصاة من المعصية إلى البدعة، والبدعة شر من المعصية، والعاصي من أهل السنة خير من العابد من أهل البدع فليتنبه لذلك، وما قلت هذا كراهية للخير الذي معهم إن كان فيهم خير وإنما قلته كراهية للبدعة فإن البدعة تذهب بالخير.
والبدع التي عند جماعة التبليغ قد ذكرها من صحبهم ثم تاب من مصاحبتهم، وألفت كتب كثيرة في التحذير منهم وبيان بدعهم.
وكون الشيخ محمد بن إبراهيم رخص لبعضهم في الدعوة في المملكة في أول الأمر لأنه لم يتبين له أمرهم، وقد رد عليهم رداً بليغاً لما تبين له أمرهم كما في مجموع فتاواه، وقد اشترط عليهم الدعوة إلى التوحيد فلم يفوا بهذا الشرط، وكذلك كون الشيخ ابن باز أثنى عليهم في أول الأمر لأنه لم يتبين له أمرهم، فلما تبين له أمرهم تراجع عن ذلك، وقال:(لا يخرج معهم إلا من يريد أن يدعوهم إلى الحق والتوحيد وينكر ما هم عليه من المخالفة).
هكذا قال رحمه الله مع أن صاحب البدعة لا يقبل الدعوة وكذا صاحب المنهج لا يتراجع عن منهجه الذي بايع عليه شيوخه.
قوله: فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه:
هذه هي النتيجة إذا مشيت معه وجالسته وراقت لك حاله فإنه تسري عليك بدعته فتستسيغها فتهلك معه، تكون مبتدعاً فالخطر شديد من المبتدعة وما أكثرهم في هذا الزمان لكن يجب أن نعرف ما هي البدعة، لأن بعض الناس كل شيء عنده بدعة، البدعة لها ضوابط فإذا تحقق أن هذا الذي هو عليه بدعة فلا تجلس معه ولا تصاحبه.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله كما في الاعتقاد 158
لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى
وقال أحمد رحمه الله كما في طبقات الحنابلة 1/184
قبور أهل السنة من أهل الكبار روضة وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة.
فساق أهل السنة أولياء الله.
وزهاد أهل البدعة أعداء الله.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها, فاحذر المحدثات من الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, والضلالة وأهلها في النار.
قال صالح الفوزان حفظه الله في اتحاف القاري صـ91-95 ,
هذه حكمة عظيمة, وهي مأثورة عن السلف: " أن الناس ما أحدثوا بدعة إلا فقدوا مثلها من السنة".([14]) لأنه لا تجتمع السنة والبدعة, إلا وتخرج إحداهما الأخرى, فلا يكون الإنسان مبتدعاً وسنياً, بل إما أن يكون مبتدعاً, وإما أن يكون سنياً, لا يجتمعان فيه, فلا بد أن تخرج إحداهما الأخرى, وهذا من مضار البدع.
وهذه الحكمة المأثورة ثابتة بالتجربة, وشاهد هذا ودليله: أنك تجد أصحاب البدع يبغضون الأحاديث الصحيحة, ويبغضون السنن, وأعدى عدو لهم, وأبغض ما يسمعون, أن يقال: الحديث الفلاني ينهى عن هذا, أو يحرم هذا, لا يريدون أن يسمعون الأحاديث والسنن التي تخالف ما هم عليه, فهذه علامة على أنها لا تجتمع السنة والبدعة, أما الذي على السنة فإنه إذا سمع حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يفرح بذلك فيضيف خيراً إلى خير, ويضيف علماً إلى علم, صاحب السنة يفرح بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم , بينما صاحب البدعة ينفر من أحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم , هذا شيء واضح في المبتدعة أنهم يحاربون السنن لأنها تقضي على ما عندهم من البدع.
وهذا فيه التنفير من البدع, وأنها ترحل السنن وترحل محبة السنن من القلوب.
قوله: (فاحذر المحدثات من الأمور): لأن المحدثات لا خير فيها, سواء محدثات الشرك أو الكفر أو المعاصي, لأن الله لا يحرم شيئاً وفيه خير, إنما يحرم ما هو شر محض, أو شر راجح أو شر مساو, فإذا اجتمع في الشيء خير وشر فإن كان الشر أكثر أو مساوياً فتجنبه, وإن كان الخير أكثر فلا مانع من أخذه, ويغتفر الشر اليسير مع الخير الكثير.
قوله: (فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة): هذا نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب, وذرفت منها العيون, فقلنا: يا رسول الله, كأنها موعظة مودع فأوصنا, قال: أوصيكم بتقوى الله, السمع والطاعة, وإن تأمر عليكم عبد- وفي رواية: عبد حبشي كأن رأسه زبيبة- فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها, وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور...) ([15]) .
هذا تحذير (إياك) كلمة تحذير, (وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة). وفي رواية : (وكل ضلالة في النار).
كل محدثة فهي بدعة, والمراد (محدثة) في الدين أما المحدثات في أمور العادات والمنافع والمآكل والمشارب والملابس, فهذه بدع لغوية, ليست بدعاً شرعية, لكن المحدثات في الدين هي البدع المحرمة, وهذا فيه رد على الذين يقسمون البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة, وبدع مباحة, ويقولون تعتريها الأحكام الخمسة, فهذا غلط, لأن البدع في الدين كلها ضلالة, بنص الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة", وأظنهم أدخلوا البدع اللغوية وسموها بدعاً حسنة, والبدع اللغوية مباحة مثل بناء المدارس وبناء الأربطة لطلبة العلم, ومثل نقط المصاحف, ونحوها سموها بدعاً حسنة, وهذه ليست بدعاً, هذه تابعة للسنن, وإحياء للسنن, فبناء المدارس والأربطة لطلبة العلم وطبع المصاحف ونقطها, هذه كلها من الإعانة على العلم, فهي حسنة وهي سنن, فهم إما أخذوا السنن الحسنة وسموها بدعاً, وإما أنهم سموا الأمور العادية بدعاً, وهي لا تدخل في الدين, لأنها من أمور الدنيا فلا تدخل في الدين.
قوله: (والضلالة وأهلها في النار) كما في الحديث:" وكل ضلالة في النار". وكما في حديث الفرق:" وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". فهذا دليل على أن أهل البدع يكونون في النار ويتفاوتون, ومنهم من يكون في النار لكفره, ومنهم يكون في النار لمعصيته, منهم من يخلد في النار, ومنهم من لا يخلد, ويكون حكمه حكم أصحاب الكبائر.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واحذر صغار المحدثات من الأمور, فإن صغار البدع تعود حتى تصير كباراً, وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق, فاغتر بذلك من دخل فيها, ثم لم يستطع الخروج منها, فعظمت وصارت ديناً يدان بها.
قال صالح الفوزان حفظه الله في اتحاف القاري صـ96-100:
(واحذر المحدثات من الأمور) يقول: لا تتساهل بشيء من البدعة ولو كان صغيراً, فإنه يكبر, وينظاف إليه غيره, وهذا من مفاسد البدع, لأنه إذا انفتح باب البدع زادت, فلا يتساهل فيها, ويقال: هذه بدعة صغيرة ولا تضر, البدعة مثل الجمرة ولو كانت صغيرة فهي تكبر حتى تحرق البيت أو المتجر أو البلد كله:
ومعظم النار من مستصغر الشرر.
فلا يتهاون بها, بل يسد باب البدع نهائياً, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" إياكم ومحدثات الأمور"([16]). (إياكم) : تحذير من محدثات البدع مطلقاً, سواء كانت محدثات صغيرة أو محدثات كبيرة لم يستثن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من البدع, فنهيه عام في جميع البدع, وقال: (وشر الأمور محدثاتها) ([17]).
قوله: (وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها, ثم لم يستطع الخروج منها) الفتن أول ما حدثت في الأمة بسبب التساهل مع أهل الفساد, حتى عاثوا في الأرض فساداً, وغسلوا أدمغة الشباب والعوام, وحشوها من الشر حتى حصلت الفتن في الإسلام, وبين المسلمين كما هو معلوم.
هذا كله بسبب التغاضي عن أهل الشر وتركهم حتى يستفحل الأمر, فلابد من الحزم , وسد الباب في هذا الأمر, ولا يعصم من البدع بعد الله جل وعلا إلا العلم النافع, أما الذي ليس عنده علم فهذا ينجرف مع البدع ويظنها طيبة, لأنه لا يدري عن البدع, فلا ينجي من البدع إلا ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين). هذا هو الذي يعصم من البدع, وهذا يحتاج إلى تعلم وتفقه في دين الله, ولهذا لما كان السلف أفقه الأمة, كانوا أشد حذراً من البدع, أشد تحذيراً من البدع, لعلمهم بما تجره إليه.
الفتن إذا اشتعلت فإنها تأتي على الرطب واليابس, تأتي على الكبير والصغير, تأتي على العلماء وعلى غيرهم, تأتي على جميع الناس, ولا يستطيعون الخلاص منها, ولو تخلصوا منها ما تخلص منها أهلهم وأولادهم ومن حولهم, فهي مثل النار إذا اشتعلت في الحطب الهشيم, يصعب إطفاؤها, لكن القضاء عليها أول ما تحدث سهل, أما القضاء عليها بعدما تعظم وتتغلظ فإنه صعب, فيجب الحزم معها, وعدم التساهل فيها.
ولما كان السلف في القرون المفضلة محاصرين للبدع ولا يسمحون بشيء منها, كانت القرون المفضلة أنقى عصور الأمة, ولهذا أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " خيركم قرني ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم"([18]). لأنهم ما كانوا يتساهلون مع البدع, كان يحاصرونها, وكان أهلها يختفون من قوة أهل الحق, فلما انقضت القرون المفضلة نشطت البدع وأهلها والشرور,واشتعلت الفتن بين المسلمين, لكن الله جل وعلا تكفل بحفظ هذا الدين, فالدين محفوظ ولله الحمد, لكن الهلاك يكون على أهل الدين, هم الذين يهلكون, وأما الدين فإنه محفوظ بحفظ الله عزوجل, ويقيض الله له من ينصره ويقوم به, قال تعالى: (وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم) {محمد :38} وقال: (فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين) {المائدة: 54} فالله لا يضيع دينه, لكن نحن الذين نضيع إذا ضيعنا ديننا, وتمالأنا مع المبتدعة, وأصحاب الإحداثات, وتساهلنا معهم فإننا نحن الذين نضيع, وربما تنشب الفتنة والقتال وتسفك الدماء بسببها, ولا نستطيع أن نتخلص منها.
قوله: (فعظمت وصارت ديناً يدان بها) أي أن البدع إذا تركت تصير هي الدين فيما بعد, وقد سبق قوله: " ما أحدث الناس بدعة إلا رفع مثلها من السنة", حتى تصير البدع هي الدين, وترفع السنن وتصير البدع هي الدين عند هذا المجتمع, وليس معنى ذلك أن كل الأمة كذلك, لكن المجتمع الذي يسمح للبدع بأن تنتشر فيه تصير هي الدين فيه, لكن ليس معنى هذا أن الدين انقضى, بل يقوم أناس آخرون في بقعة ثانية, أو في بلد آخر, يقيض الله لهذا الدين من ينصره ويحميه ويحافظ عليه.
وجاء في الحديث أنه في آخر الزمان تتخذ السنن بدعاً والبدع سنناً, حتى إذا غيرت يقال: غير الدين, وإذا أنكرتها قالوا لك: تنكر الدين!.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كيف أنتم إذا لبستكم الفتنة, يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة, فإذا غيرت قالوا غيرت السنة". قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إذا كثرت قراؤكم, وقلت فقهاؤكم, وكثرت أمراؤكم , وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة" . رواه الدرامي في سننه (1/75 رقم 185-, والحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/560-, وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/188- والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص/453 رقم 758- وغيرهم وهو أثر موقوف , له حكم الرفع.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
فانظر – رحمك الله- كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن, ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثراً عنهم فتمسك به, ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئاً فتسقط في النار.
قال صالح الفوزان حفظه الله في اتحاف القاري صـ102-109
لا تستعجل فيما تسمع من الناس خصوصاً عند تأخر الزمان وكثيرة من يتكلم ويفتي وينتصب للعلم والقول وخصوصاً لما جدّت وسائل الإعلام وصار وصار كل يهذو ويتكلم باسم العلم وباسم الدين حتى أهل الضلال والفرق الضالة والمنحرفة صاروا يتكلمون باسم الدين الآن في الفضائيات فالخطر عظيم جداً ، فعليك أيها المسلم وطالب العلم بالذات أن تتثبت ولا تستعجل مع كل ما تسمع, عليك بالتثبت, ومعرفة من الذي قال هذا؟ ومن أين جاء هذا الفكر؟ ثم ما هي مستنداته, وأدلته من الكتاب والسنة؟ ثم أين تعلم صاحبه؟ وعمن أخذ العلم؟ فهذه أمور تحتاج إلى تثبت, خصوصاً في هذا الزمان, فما كل قائل حتى ولو كان فصيحاً وبليغاً ويشقق الكلام ويأخذ بالأسماع لا تغتر به حتى ترى مدى ما عنده من العلم والفقه, فربما يكون كلامه قليلاً لكنه فقيه, وربما يكون كلامه كثيراً لكنه جاهل ليس عنده شيء من الفقه, بل عنده سحر الكلام حتى يغر الناس, ويتظاهر بأنه عالم وبأنه فاهم, وبأنه مفكر, ونحو ذلك, حتى يغر الناس ويخرج بهم عن الحق فليس العبرة بكثرة الكلام وشقشقته, بل العبرة بما فيه من العلم, وما فيه من التأصيل, ورب كلام قليل مؤصل يكون أنفع بكثير من كلام كثير مشقشق لا تمسك منه فائدة إلا القليل, وهذا هو الواقع في زماننا يكثر الكلام ويقل العلم, يكثر القراء ويقل الفقهاء, و الفقه ليس هو بكثرة الكلام أو كثرة القراءة أو جودة الكلام, أو حسن التعبير, يقول الشاعر:
في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء التعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قئ الزنابير
إن شئت أن تمدح العسل تقول: هذا (مجاج النحل) وإن ذممته قلت: هذا " قيء" بدل " مجاج" وبدل النحل تقول : الزنابير, فالبليغ يقلب الحق باطلاً, والباطل حقاً ببلاغته, فاحذر من هذا, ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فصيح اللسان الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها([19])., حذر من هذا, وقال:" إن من البيان لسحراً" ([20]), يعني يسحر الأسماع.
فقوله: (فانظر- يرحمك الله- كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه) هذا في وقت المؤلف, والمؤلف يكاد يكون معاصراً للإمام أحمد, لأنه من تلاميذ تلاميذه, يقول: لا تعجل في قبول كلام أهل زمانك حتى تتثبت منه, أين هو من عصرنا الآن, عصر الأهواء وعصر الجهل, وعصر اختلاط العالم بعضهم ببعض, حتى أصبح يموج بالفتن والشرور والأفكار, والعدو الآن يريد قلب الدين رأساً على عقب, يريدنا أن نكون تبعاً له, ويفرض علينا أفكاره, ويفرض علينا سياسته, فعلينا أن نتثبت في هذا الأمر, ونتوقف عن كثير من الأمور, وأن نقبل على تفهم كلام الله وكلام رسوله, ونتفقه في دين الله عز وجل.
فالفقه فيه عصمة من الفتن, والفقه هو الفهم, قد يكون الإنسان كثير الحفظ لكن ليس عنده فهم, فيكون هو والعامي سواء, بل ربما يكون العامي أحسن منه لأنه يتوقف, ويعرف جهله, وهذا لا يعرف أنه جاهل, ليست المسألة كثرة حفظ أو كثرة كلام, المسألة مسألة فقه, ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " رب مبلغ أوعى من سامع"([21]) فقد يحفظ الإنسان وينقل ويروي, لكن يكون هناك من هو أفقه منه, " رب حامل فقه وهو غير فقيه"([22]) هو حامل وناقل لكنه ليس بفقيه, فالفقه هبة من الله يعطيها الله من يشاء من عباده, لكن إذا استغلها ونماها انتفع بها, وإن أهملها ضاعت.
قوله: (فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ) هذه وصية عظيمة, إذا أعجبك كلام من أحد في الدين, أما الكلام الذي في أمور الدنيا فليس موضوع البحث لكن إذا أعجبك كلام في الدين فلا تعجل حتى تنظر فيه, هل هو مؤسس على حق وأدلة, أم هو من الرأس ومن الفكر, فهذا غثاء كغثاء السيل, اتركه, أما إن كان مؤسساً ومؤصلاً على الكتاب والسنة فهذا حق, فلا تعجل في أخذ الكلام على عواهنه, حتى ولو أعجبتك فصاحته وبلاغته وقوته وجزالته, لا تعجل فيه حتى تنظر, وتعرضه على الكتاب والسنة, وتنظر من قاله هل هو فقيه أم ليس بفقيه؟ حتى تسأل أهل العلم عنه, وتنظر هل قاله أحد من السلف أو لم يقولوه. وهذا ما حذرت منه مرات, أقول: لا تحدثوا اجتهادات وآراء وأقوالاً وعبارات لم تسبقوا إليها, خذوا القدوة من السلف ومن كلام السلف, لو أتيت بشيء لم تسبق إليه فإنه يكون شذوذاً, وخطره أكثر من نفعه.
فكلام الصحابة هو الميزان لأنهم تلاميذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر قولهم في الآية, بماذا فسروها, وفي الحديث بماذا شرحوه, تأخذ من كلامهم وتفسيرهم لأنهم أقرب إلى الحق ممن جاء بعدهم لأنهم تلاميذ الرسول صلى الله عليه وسلم وسمعوا التأويل والتفسير من الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقوه منه, فهم أقرب الناس إلى الحق, ولا عبرة بقول من يقول: إن الصحابة لا عبرة بهم, هم رجال ولهم أفكارهم, ونحن رجال ولنا أفكارنا, والزمان تغير!!.
فالدين باق إلى أن تقوم الساعة, ولا يتغير بتغير الزمان, وهو شامل للزمان والمكان, وإنما الذي يتغير: الاجتهادات البشرية التي تخطئ وتصيب, أما الدين نفسه فلا يتغير, لأنه لكل صالح لكل زمان ولكل مكان, لأنه تنزيل من حكيم حميد. ولهذا يوصون ويقولون: عليكم بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح, لا تحدث فهماً من عندك أو من عند المتأخرين.
قوله: (أو أحد من العلماء) أي قاله أحد من العلماء المعتبرين, من الأئمة الذين يسيرون على منهج صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الرواة عن الصحابة, والصحابة هم الرواة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: (ولا تجاوزه لشيء) ولا تجاوز قول السلف لرأي فلان وفلان ممن جاء بعدهم.
قوله: (ولا تختر عليه شيئاً فتسقط في النار) ولا تختر على ما جاء عن السلف شيئاً مما جاء به المتأخرون فتسقط في النار, لأنك خالفت طريق الجنة, وطريق الجنة هو ما عليه (الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً) {النساء: 69} هذا هو طريق الجنة, وما خالفه فهو طريق النار والله جل وعلا يقول: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون) {الأنعام: 153} سبيل الله واحد, وأما غيره فهي سبل كثيرة, كل شيطان له سبيل وله طريق من شياطين الإنس والجن, فهي طرق كثيرة توقع من يسلكها في حيرة, لكن الصراط المستقيم واحد ليس فيه اختلاف ولا تضيع إذا سلكته أبداً.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين: أما أحدهما فرجل قد زل عن الطريق, وهو لا يريد إلا الخير, فلا يقتدى بزلته فإنه هالك, ورجل عائد الحق وخالف من كان قبله من المتقين, فهو ضال مضل, شيطان مريد في هذه الأمة, حقيق على من عرفه أن يحذر الناس منه, ويبين للناس قصته, لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القاري 1/ 110-120:
لما وصف الشيخ رحمه الله في الكلام السابق الطريق الصحيح الذي يجب أن يسير عليه المسلم في عقيدته ودينه: ذكر أن من يخرج عن هذا الطريق فهو أحد رجلين:
الرجل الأول: من خرج غير متعمد, بل يريد الخير لكنه سلك طريق غير الخير, والاجتهاد لا يكفي, وإن كانت نية صاحبه صالحة, ومقصده حسناً, لا بد أن يكون مع ذلك على الطريق الصحيح, فهذا يعتبر مخطئاً, ومن وافقه على ذلك وسار معه على الخطأ وهو يعلم خطأه فهو هالك, لأن هذا طريق هلاك, حتى ولو لم يتعمد صاحبه الخروج وإنما هو يلتمس الخير.
وهذا هو حال الكثير من الذين يبتكرون ابتكارات من عند أنفسهم في علم العقيدة, فهذا أمر لا يجوز, ولا يتابعون عليه, وصاحبه ليس على صواب, والله جل وعلا يقول: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله) {الأنعام: 153} فأي سبيل يخرجنا عن الصراط المستقيم فنحن نرفضه ولو كان صاحبه يقصد الخير, ونيته طيبة, فنحن لا نتابعه على ذلك, وهو إن استمر على خطئه فسيؤول إلى الهلاك, لأن من ترك الطريق الصحيح في سفره وأخذ طريق مضيعة هلك.
أما الرجل الثاني: فهو المتعمد للخروج, فهو يعرف الحق, ويعرف أن ما خرج إليه أنه باطل لكن يتعمد الخروج عن الحق, يقصد إضلال الناس.
الأول: قصده إصلاح الناس لكنه لم يسلك الطريق الصحيح والثاني قصد إضلال الناس, وصرفهم عن الطريق الصحيح, فهذا شيطان, لأن الشياطين يخرجون الناس عن الصراط المستقيم, يقول إبليس لربه عز وجل: (لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم) {الأعراف:16} يريد أن يصرفهم عنه إلى الطرق المنحرفة, والنبي r ضرب لهذا مثلاً حينما خط خطاً مستقيماً, وخط حوله خطوطاً أخرى, فقال للخط المستقيم: (هذا صراط الله) وقال للخطوط الأخرى: (وهذه سبل, على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليها) ([23]). هذا مثال واضح, ويطابقه ما ذكره الشيخ هنا, فإن الذي يخرج بالناس عن الصراط المستقيم إلى السبل المحدثة المبتدعة, لا يريد لهم الخير, وإنما يريد لهم الهلاك وهو شيطان, سواء كان من شياطين الجن أو من شياطين الإنس, علينا أن نحذر من هذا أشد من الحذر من الأول, لأن هذا متعمد لإضلال الناس.
قوله: (فهو ضال مضل , شيطان مريد) أي: هو ضال في نفسه, ومضل لغيره, وهو شيطان مريد, متمرد, يريد صرف الناس عن الصراط المستقيم.
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام 2/583
ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين واتبعوا أهوائهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل.
وقال ابن بطة رحمه الله في إبانة 1/390
اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواماً من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة وفتح باب البلية على أفئدتهم وحجب نور الحق عن بصيرتهم فوجدت ذلك من وجهين
الأول : البحث والتنفير وكثرة السؤال عما لا يعني ولا يضر العاقل جهله ولا ينفع المؤمن فهمه.
الثانية : مجالسة من لا تؤمن فتنته وتفسد القلوب صحبته.
وقال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله:
ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه.
وقال عبدا لله الديلمي رحمه الله:
إن أول ذهاب الدين ترك السنة ويذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة .
قوله: (حقيق على من عرفه أن يحذر الناس منه, ويبين للناس قصته لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك) أي: هذا الذي خرج عن الحق متعمداً لا يجوز السكوت عنه, بل يجب أن يكشف أمره, ويفضح خزيه حتى يحذره الناس, ولا يقال: الناس أحرار في الرأي, حرية الكلمة, احترام الرأي الآخر! كما يدندنون به الآن, من احترام الرأي الآخر, فالمسألة ليست مسألة آراء, المسألة مسألة اتباع, نحن قد رسم الله لنا طريقاً واضحاً, وقال لنا سيروا عليه حينما قال: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه) {الأنعام :153} فأي شخص يأتينا ويريد منا أن نخرج عن هذا الصراط فإننا: أولاً: نرفض قوله, وثانياً: نبين ونحذر الناس منه, ولا يسعنا السكوت عنه, لأننا إذا سكتنا عنه اغتر به الناس, لاسيما إذا كان صاحب فصاحة ولسان وقلم وثقافة, فإن الناس يغترون به, ويقولون هذا مؤهل, هذا من المفكرين, كما هو الحاصل الآن, فالمسألة خطيرة جداً.
وهذا فيه وجوب الرد على المخالف, عكس ما يقوله أولئك يقولون: اتركوا الردود, دعوا الناس كل له رأيه واحترامه, وحرية الرأي وحرية الكلمة, بهذا تهلك الأمة, السلف ما سكتوا عن أمثال هؤلاء, بل فضحوهم وردوا عليهم, لعلمهم بخطرهم على الأمة, نحن لا يسعنا أن نسكت عن شرهم, بل لابد من بيان ما أنزل الله, وإلا فإننا نكون كاتمين, من الذين قال الله فيهم: (إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون) {البقرة: 159} فلا يقتصر الأمر على المبتدع, بل يتناول الأمر من سكت عنه, فإنه يتناوله الذم والعقاب, لأن الواجب البيان والتوضيح للناس, وهذه وظيفة الردود العلمية المتوفرة الآن في مكتبات المسلمين كلها تذب عن الصراط المستقيم, وتحذر من هؤلاء, فلا يروج هذه الفكرة- فكرة حرية الرأي وحرية الكلمة واحترام الآخر- إلا مضلل كاتم للحق.
نحن قصدنا الحق, ما قصدنا نجرح الناس أو نتكلم في الناس, القصد هو بيان الحق, وهذه أمانة حملها الله العلماء, فلا يجوز السكوت عن أمثال هؤلاء, لكن مع الأسف لو يأتي عالم يرد على أمثال هؤلاء قالوا: هذا متسرع..([24] ) إلى غير ذلك من الوساوس, فهذا لا يخذل أهل العلم أن يبينوا للناس شر دعاة الضلال لا يخذلهم.
قال رافع بن أشرس رحمه الله كما في علل الترمذي 90 الكفاية 117 هجر المبتدع 48
كان يقال من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه وأنا أقول من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه .
شرح علل الترمذي لابن رجب 1 / 121
قال محمد بن يحيى رحمه الله: قيل لأبي بكر بن عياش رحمه الله : إن ناساً يجلسون ويجلس إليهم الناس ولا يستأهلون ؟ قال : فقال أبو بكر : كل من جلس جلس الناس إليه ، وصاحب السنة إذا مات أحيى الله ذكره ، والمبتدع لا يذكر.
وقال صالح آل الشيخ حفظه الله كما في بعض كتبه
لا يوازن بين الحسنات والسيئات إذا كان المقام قام رد على المخالف، مقام رد على مبتدع، مقام رد على ضال؛ لأنك إذا ذكرت حسنات ذلك المردود عليه أو ذلك الضال أو ذلك المبتدع أو ذلك الظالم ذكرت حسناته في مقام الرد عليه فإنك تغري، وفي هذا المقام إنما يذكر ما عنده من الأخطاء أو السيئات ويرد عليه فيها؛ لأنّ القصد نصيحة الأمة وذكر الحسنات في هذا المقام إغراء به.
وهذا قول أهل العلم في إبطال قاعدة الموازنة بين المحاسن والمساوي عند التحذير,
مثل ابن باز وابن عثيمين وصالح بن فوزان والعبيكان و أحمد النجمي والألباني والوادعي ويحيى بن علي الحجوري وغيرهم من أهل العلم.
وقد بين الله في كتابه في إبطال هذه القاعدة الفاجرة .
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم رحمك الله أنه لا يتم اسلام عبد حتى يكون متبعا مصدقا مسلماً, فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم, وكفى بهذا فرقة وطعناً عليهم, فهو مبتدع ضال مضل, محدث في الإسلام ما ليس منه.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف 1/116-119
قوله: (لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً) متبعاً لا مبتدعاً, مصدقاً لا شاكاً أو متردداً, (مسلما) يعني مسلماً للكتاب والسنة, لأن هذه الأمور محل تسليم, وليست محل جدال, نسلم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولا نجادل في هذا الأمر, أو ندلي برأينا- كما يقولون- مع كلام الله وكلام رسوله.
قوله: (فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم) أي: من زعم أن الصحابة قصروا في بيان الحق وتوضيحه, وحمله للناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويزعم أن له مجالاً أن يتكلم أو يضيف شيئاً, فهذا يريد الشر بالناس, لأن الصحابة رضي الله عنهم ما تركوا مما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أو رأوه شيئاً إلا بلغوه للأمة بأمانة, وبينوه للأمة, ولذلك يقدم تفسير الصحابة على تفسير غيرهم, لأنهم تلاميذ الرسول صلى الله عليه وسلم وسمعوا منه صلى الله عليه وسلم القرآن وسمعوا منه الأحاديث, وسمعوا منه بيان القرآن, ورأوا عمله صلى الله عليه وسلم , فنقلوا ذلك بأمانة, فهم لم يتركوا شيئاً.
فمن زعم أنهم قصروا وتركوا شيئاً لم يبلغوه فإنه كذاب مفتر, ضال مضل, يشكك الناس في دين الله, وفي حملته من صحابته رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو يخون الصحابة, كما هي طريقة أهل البدع, يخونون الصحابة ويتهمونهم, من أجل أن يسقطوا الواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيجب الحذر من هؤلاء, وأن نعلم قدر الصحابة ومكانتهم رضي الله عنهم.
ومن أين جاءنا هذا القرآن, وهذه الأحاديث, وهذا الفقه؟ إلا من حملهم وتحملهم عن الرسولr , هم الذين حملوه لنا, ورووه لنا كاملاً, كل على قدر ما وهبه الله, وكل على قدر طاقته, ما تركوا شيئاً من دين الله إلا بلغوه كما تحملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهم موضع الثقة, لأن الله اختارهم لصحبة نبيه, والحمل والرواية عنه, اختارهم الله لذلك, فيأتي من يتهمهم بالتقصير!! أو يتهمهم بالنقص !! لا يقول هذا إلا ضال مضل, يريد أن يقطع صلة الأمة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبالتالي يقطع صلتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم , نحن ما حضرنا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم , ولا سمعناها, وبيننا وبينه قرون, فالصحابة الأكرمون رضي الله عنهم, هم الذين بلغونا عن الرسول صلى الله عليه وسلم , فمقام الصحابة في الدين مقام عظيم, ولا يتهمون أنهم أخفوا شيئاً, أو كتموا شيئاً ولم يبينوه.
قوله: (فهو مبتدع ضال مضل, محدث في الإسلام ما ليس منه) هذا هو قصده, أن يحدث في الإسلام ما ليس منه, ولا يتمكن من ذلك إلا إذا طعن في الصحابة وخونهم وكذبهم, حيئنذ هو يبتكر من عنده أشياء, ويقول: هذا هو الدين الذي يجب أن نسير عليه, هذا هدفهم من تكذيب الصحابة وتخوينهم وتنقصهم أن تسمح لهم الفرصة ليضعوا للناس ديناً من عند أنفسهم, وبحسب عقولهم وآرائهم, وأن نأخذ عن شيوخ الضلال وأئمة الضلال, الذين بدلوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , بالكذب, وزيفوا مشائخ وأسانيد من عندهم مخالفة لمصادر الإسلام, وهذا شيء واضح موجود في تراثهم وأفكارهم.
لكن – بحمد الله – أنه بقي ما بأيديهم من الضلال محاصراً تكشفه أضواء الحق وأنوار الوحي, تكشف ما عندهم من هذا الكذب الكثير المدون في كتبهم.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل, أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو يصلي لغير الله, أو يذبح لغير الله, وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام, فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة.
قال صالح الفوزان حفظه الله في اتحاف القاري 1/273- 276 .
لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام إلا بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام المعروفة, ويزول عذره.
قوله: (أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ,) إذا جحد القرآن أو بعضه أو السنة الصحيحة أو بعضها, أو أنكر شيئاً في القرآن , أو أنكر شيئاً في السنة الصحيحة: فهذا يحكم عليه بالردة, لأنه مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , , ما لم يكن جاهلاً أو مقلداً أو متأولاً فهذا يبين له, فإذا بين له وأصر فإنه يحكم عليه بالردة.
والمراد بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم , : الأحاديث.
وقوله: (أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ,) أي: فإنه يكفر, وهذه قاعدة عظيمة عند أهل السنة والجماعة, يخالفون بها فئتين:
الفئة الأولى: الخوارج، والغلاة، الذين يكفرون بالكبائر التي دون الشرك.
الفئة الثانية: فئة المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، مادام الإنسان مؤمناً بقلبه، فإنه لا يضره شيء من المعاصي، ولو ترك الأعمال كلها ولم يعمل شيئاً، فإنه مؤمن كامل الإيمان.
أما أهل السنة والجماعة فكما ذكر المؤلف: أنهم وسط بين الطائفين؛ فيقولون: الكبائر تختلف: إن كانت من الشرك أو الكفر الأكبرين فإنها تخرج من الملة بالإجماع، وأما إذا كانت ليست كفراً ولا شركاً، وليست تكذيباً لكتاب الله ولا لسنة رسول الله، ولا تركاً للصلاة، ولا دعاء لغير الله، أو ذبحاً لغير الله، وإنما هي كبيرة دون ذلك فهذه لا يخرج بها العبد من الإسلام خلافاً للخوارج والمعتزلة، ولكنها تضر المؤمن، وتنقص إيمانه وتضعفه، خلافاً للمرجئة؛ الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، فهذا هو المذهب الوسط الذي يحصل به الجمع بين نصوص الوعيد ونصوص الوعد.
الخوارج والمعتزلة أخذوا بنصوص الوعيد، وتركوا نصوص الوعد.
المرجئة على العكس: أخذوا بنصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد. فكلا الطائفتين ضال.
وقوله: (أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله) يصلي لقبر يتقرب إليه، أو يسجد لصنم، أو يذبح لغير الله ويعمل شيئاً من العبادات لغير الله، فهذا مشرك كافر، خارج من الملة. وما دون ذلك فأهل السنة وسط فيه بين المرجئة وبين الخوارج.
قوله: (وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام) إذا فعل شيئاً من ذلك، يعني صلى لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو عمل عبادة لغير الله؛ وجب عليك أن تخرجه من الملة، ووجب عليك أن تعتقد أنه كافر، ولا تقل: لا يهمني هذا، أو لا أدري عنه، بل يجب عليك أن تكفر الكافر والمشرك، وأن تفسق العاصي مرتكب الكبيرة التي دون الشرك، لابد من بيان الحق في هذا الأمر.
قوله: (فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة) أي: في الظاهر لنا، وسريرته إلى الله.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء المذهب والقول، ولا يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا على أصحابه (رضي الله عنهم)؛ لأنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار.
قال علي بن نايف الشحود حفظه الله في المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام 2 / 120
لأن إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم , ومقابلتها بالرد والاطراح ، يدل على الاستخفاف بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويستلزم مشاقته واتباع غير سبيل المؤمنين ، وقد قال الله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } وقال تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } وليس إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي بالأمر الهين ، لأن الله تعالى يقول : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } .
وقال ا لتويجري رحمه الله في إقامة البرهان 1 / 2
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . وهذا يدل على وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما كان في الماضي ، وما يكون في المستقبل ، ويدل أيضا على أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وبكل ما جاء به ، ومن لم يؤمن به وبما جاء به فليس بمعصوم الدم والمال ، وفي هذا أبلغ تشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويعارضها برأيه أو برأي غيره .
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : من رد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة . وقال إسحاق بن راهوية رحمه الله : من بلغه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر .
وقال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 1/342-350:
قوله: (وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله r (فاتهمه على الإسلام) لأن من معنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، هذا معنى شهادة أن محمداً رسول الله، والله جل وعلا يقول: (وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[الحشر:7]، (يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول )[النساء:59] فالواجب على المسلم أن يمتثل ما جاء في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأنها الوحي الثاني بعد القرآن. لأن أصول الأدلة في الإسلام المجمع عليها:
أولاً: القرآن.
ثانياً: السنة النبوية.
ثالثاً: الإجماع.
هذه أدلة لا يجوز للإنسان أن يقول: أنا لا أستدل إلا بالقرآن فقط، ولا استدل بالسنة، كما تقوله الخوارج، ومن نحا نحوهم، ويقولون: إن القرآن متواتر، ومعصوم من الخلل، وأما السنة فهي من رواية الرواة يتطرق إليها الخلل. هذا اتهام للأمة وعلمائها والصحابة والتابعين الذين نقلوا الأخبار بعدم الثقة وعدم الأمانة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم , عن هؤلاء بقوله: (يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه) ثم قال (صلى الله عليه وسلم ,): (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) ([25]) وقال عليه الصلاة والسلام: ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وبلغها كما سمعها, فرب مبلغ أوعى من سامع) ([26]).
وقال عليه الصلاة والسلام لما خطب في عرفة: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) ([27]).
فالذي سمع يبلغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم , هذه أمانة قام بها رواة الحديث ورجال الحديث جزاهم الله خيراً, وصانوا السنة النبوية عن الدخيل والكذب, وبلغوها نقية صافية كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم , بأمانة وهذا من معجزات هذا الرسول صلى الله عليه وسلم , فالسنة ليست محل توقف أو اتهام, بل يجب التصديق بها, ويجب العمل بها, كما يجب العمل بالقرآن, لأنها وحي من الله, قال تعالى في حق الرسول صلى الله عليه وسلم , (وما ينطق عن الهوى - إن هو إلاّ وحيٌ يوحى) {النجم: 3-4} فالأحاديث وحي من الله, وإن كانت ألفاظها من الرسول صلى الله عليه وسلم , أما القرآن فلفظه ومعناه من الله عز وجل, أما السنة والأحاديث النبوية فمعناها من الله وألفاظها من كلام الرسول r الذي لا ينطق عن الهوى فألفاظه r معصومة وصدق, ولا يتطرق إليها شك, فمن أنكر السنة فإنه كافر, لأنه عطل الأصل الثاني, والقرآن لا بد له من السنة, لأنها تبينه وتوضحه: (وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون) {النحل: 44} فالسنة موضحة للقرآن ومفسرة للقرآن, لأن القرآن جاء بأشياء مجملة مثل: الصلاة والزكاة والحج والصيام, السنة بينتها ووضحتها, وبينت الزكاة ومقاديرها, والصيام متى يبدأ ومتى ينتهي, ومناسك الحج كيف يحج الإنسان, قال r : (لتأخذوا عني مناسككم) ([28]). وقال r (صلوا كما رأيتموني أصلي) ([29]), قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً) {الأحزاب:21} فالسنة تفسر القرآن وتوضحه وتدل عليه, والذي يقول: أعمل بالقرآن ولا أعمل بالسنة كذاب, لم يعمل بالقرآن لأن القرآن فيه:(وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) {الحشر:7} وفيه:(وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلاّ وحيٌ يوحى) {النجم: 3-4}, وفيه: وتوضحه (وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم) {النحل:44} لما ترك العمل بالسنة لم يعمل بالقرآن الذي يدعي أنه يعمل به.
ومن الناس من يفرق بين الأحاديث فيقول: الحديث المتواتر يفيد العلم, والحديث الآحاد يفيد الظن, وهذا باطل ( [30] ), لأن كل ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم , وثبت فإنه يفيد العلم, سواء كان متواتراً أو آحاداً, فلا تفريق بين دلالات الحديث الصحيح, الكل يجب امتثاله والعمل به, بدون تفريق.
والصوفية أيضاً لا يعملون بالسنة, بل ولا بالقرآن, إنما يعملون بأذواقهم ومواجيدهم, ويقولون: نحن نأخذ عن الله مباشرة, ولا نأخذ عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم , لأننا وصلنا إلى الله فلسنا بحاجة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم , وإنما الرسول للعوام الذين ما وصلوا إلى الله, وهذا من أبطل الباطل وأفضح الكفر والعياذ بالله.
قوله: (أو ينكر شيئاً) الذي ينكر السنة عموماً, ويقول: إنه لا يعمل بالسنة, وإنما يعمل بالقرآن, أو ينكر بعض السنة وهي الأحاديث الصحيحة, ويقول: لا يعمل بها, وبعضهم يقول: لا يعمل بالحديث إلا بشرط: أن يوافق القرآن, وهذا باطل, واتهام للرسول صلى الله عليه وسلم , بأنه قد يأتي بشيء يخالف القرآن, فهذا القول لا يجوز وقد يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم , بأشياء ليست في القرآن مثل: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها, هذا ليس في القرآن , القرآن فيه النهي عن الجمع بين الأختين, والرسول صلى الله عليه وسلم , قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها) ([31]). فيجب العمل بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ,.
قوله: (فاتهمه على الإسلام, فإنه رجل رديء المذهب والقول) قائل هذا إما أن يكون من الخوارج, وإما أن يكون من الجهمية والمعتزلة, وإما أن يكون من الصوفية الذين يزعمون أنهم ليسوا بحاجة إلى الأحاديث, لأنهم وصلوا إلى الله, ويأخذون عن الله مباشرة, ويقولون: أنتم تأخذون دينكم من ميت عن ميت, ونحن نأخذ عن الحي الذي لا يموت.
قوله: (ولا يطعن على رسول صلى الله عليه وسلم , ولا على أصحابه رضي الله عنهم).
لا يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأنه معصوم من الله جل وعلا, فالذي يتهم الرسول أو يطعن فيه, وأنه عنده هوى, وأنه يحيف, وأنه يظلم ونحو ذلك, فهذا كافر بالله عز وجل.
كذلك الذي يطعن في الصحابة رضي الله عنهم, صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم , لأن الله رضي عنهم ومدحهم, والنبي صلى الله عليه وسلم , رضي عنهم ومدحهم وأثنى عليهم وهو خير القرون, قال صلى الله عليه وسلم , (خيركم قرني ...) ([32]) وقال صلى الله عليه وسلم , ( لا تسبوا أصحابي, فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ([33]).
قال تعالى : (والسّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) {التوبة: 100} , (لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة) {الفتح: 18} تحت الشجرة شجرة البيعة في الحديبية (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السّكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) {الفتح: 18} وقال في آخر السورة: (محمّدٌ رسول اللّه والّذين معه) يعنى الصحابة (أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التّوراة) يعني صفتهم المذكورة بالتوارة (ومثلهم في الإنجيل) أي: صفتهم في الإنجيل الذي أنزل على عيسى (كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار) {الفتح:29} فدل على أن الذي يغتاظ من الصحابة أو يبغضهم أنه كافر (ليغيظ بهم الكفّار).
قوله: (لأنا إنما عرفنا الله, وعرفنا رسوله, وعرفنا القرآن, وعرفنا الخير والشر, والدينا والآخرة, بالآثار) أي: بالآثار التي رووها وهي الأحاديث التي رووها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فالذي يطعن فيهم, يطعن في الشريعة, لأنها من رواية رواة كذبة وغير موثوقين, وهذا قصد اليهود والمجوس يدسون على المسلمين, جماعة يسبون الصحابة, وقصدهم أن يبطلوا الشريعة, لأنهم إذا أبطلوا حملتها ورواتها وطعنوا في أفضل الأمة فطعنهم في غير الصحابة من باب أولى.



ما معنى بلغوا عنني :
الجواب: قال أهل العلم رحمهم الله
سئل ابن العثيمين عن هذا السؤال : أحسن الله إليكم ، هذا الحديث : ( فليبلغ الشاهد الغائب ) مثل هذا الحديث ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية ) البعض يستدل بمثل هذه الأحاديث أن الإنسان العامي الذي ما عنده إلا حديث واحد يقف داعياً في الناس ، هذا المنهج يا شيخ سليم ؟
فقال الجواب : لا .. ما هو سليم ، يبلغ ما سمع فقط بشرط أن يكون عنده علم ، لعله نسخ . أنا أرى أن لا يدعوا أحد إلا بشيء يتيقنه ، هذه واحدة ، ثانياً إذا وجهت إليه أسئلة بعد الموعظة فلا يجيب إلا عن ما يتيقنه لا يقل أنا صرت الآن شيخ وسلوني على ما بدا لكم . يقول بلسان حاله : ..... ما تقول في هذا إيه الشيخ ؟ حرام ، ما تقول .. ؟ حلال ، ما تقول .. ؟ واجب، ما تقول .. ؟ فيه تفصيل . فهذا يوجد بعض الوعاظ على هذا الوجه . يوجد هذا وما يجوز ، إذا سئلت عن شيء تعرفه مثل الشمس أجب وإلا قل والله يا أخي لا علم عندي في هذا وأسأل . تبرئ ذمتك ويعرف أنك رجل متثبت ويثقوا بك أكثر . أفهمت ؟
قال الشيخ الألباني رحمه الله في بعض الدروس
أما في السنة فكذلك نجد الأحاديث تأتي مطلقة، مثلاً: قوله عليه الصلاة والسلام: ( بلغوا عني ولو آية ) وهنا لا بد من لفت النظر؛ ففيها حضٌّ على نقل جملة عن الرسول عليه الصلاة والسلام سواءً قال لهم: هذه آية من القرآن أو لم يقل لهم ذلك، فتكون هذه الجملة من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي من الناحية العملية في الشريعة الإسلامية كالقرآن لا نفرق بين الله ورسوله؛ فإذاً: هنا نص عام لا نفرق بين جملة تتعلق بالعقيدة، أو جملة تتعلق بالأحكام الشرعية.
ومن ذلك أيضاً حديث مشهور: ( نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ).
أيضاً هنا دعا الرسول عليه الصلاة والسلام بالمباركة والسلامة لمن يسمع من الرسول عليه الصلاة السلام مقالةً له ثم ينقلها إلى غيره، سواء كان في مرتبته في الطبقة والمعاصرة والعلم، أو كان دون ذلك في الطبقة والعلم.
فالشاهد: نصوص الكتاب والسنة كلها على هذا النمط، لا تأتي بالتفريق في الحضّ والفرض في طلب العلم بين أحاديث تتعلق بالعقيدة أو أحاديث تتعلق بالأحكام الشرعية.
قال صديق حسن القنوجي رحمه الله في الحطة في ذكر الصحاح الستة 1 / 38
ولا ريب أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فمن قام بذلك كان خليفة لمن يبلغ عنه وكما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوه فعلى العالم بالسنة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه حيث قال وبلغوا عني ولو آية الحديث رواه البخاري قال المظهري أي بلغوا أحاديثي ولو كانت قليلة وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله بلغني أن العلماء يسألون عن تبليغهم العلم كما يسأل الأنبياء عليهم السلام
قال ابن باز رحمه الله في مجموع فتاوى 8 / 74
كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب الناس وذكرهم يقول : « فليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى من سامع » ويقول : « بلغوا عني ولو آية » .
فالواجب على من سمع من أهل العلم أن يبلغ الفائدة التي عقلها وفهمها , وليحذر أن يبلغ ما لم يعقل وما لم يفهم ؛ لأن بعض الناس قد يبلغ أشياء يغلط فيها فيكون كاذبا ومضرا بمن بلغ عنه وبالمبلغين , فلا يجوز له التبليغ إلا عن علم , وعن تحقق وبصيرة مما سمع حتى يبلغ كما سمع , وكما علم , من دون زيادة ومن دون نقص , وإلا فليمسك حتى لا يكذب على من بلغ عنه , وحتى لا يضر غيره .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد , وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين
قال ابن عثيمين رحمه الله في لقاء الباب المفتوح .
وينبغي لطالب العلم أن يدعو إلى الله تعالى بعلمه, بل يجب أن يدعو إلى الله تعالى بعلمه, لأن الله تعالى إذا علمك علماً فقد أخذ عليك ميثاقاً أن تبينه وتدعو إلى الله به, قال الله تعالى: { وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه } [آل عمران:187], ورجل لا يدعو الناس بعلمه كتابه خير منه, لأن الكتاب قد ينتفع به في المستقبل, وأما هذا الذي لا يدعو فإنه حجر غير نافع, فالواجب على كل من آتاه الله علماً أن يبلغه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بلغوا عني ولو آية ) لا تقل أنا ما وصلت إلى حد الاجتهاد, متى علمت المسألة وتيقنتها فعلم الناس إياها, وبلغهم إياها, ولا تحقر نفسك، فإنك إذا علمت شخصاً وانتفع، وعلمه آخر وانتفع، صار لك مثل أجورهم, فالدال على الخير كفاعل الخير.
ولكن في هذا الحال يجب التثبت من العلم؛ لأن بعض الناس يدعو وهو يظن أنه عالم وليس بعالم, فالواجب أن تتثبت إما من عالم تثق به وإما إذا كان عندك ملكة تستطيع أن تفهم المسائل من الكتب فافعل, وينبغي لطالب العلم أن يحرص على نشر علمه في كل مناسبة, في المجالس, في المجتمعات, في الصحف والمجلات, في المطويات والرسائل, المهم أن ينشر علمه ما استطاع؛ لأنه إذا فعل ذلك كسب خيراً كثيراً, وصار خيره أفضل من خير التاجر الذي يبذل المال ليلاً ونهاراً لمن ينتفع به, والعلم ليس له مئونة في نشره وبيانه, ولا ينقص في بذله بل يزيد كما قيل في العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً قبضت
قال ابن عثيمين رحمه الله في لقاء الباب المفتوح .
السؤال
نحن مدرسون يوجه إلينا بعض الأسئلة، فنجيب الطلاب بما نعلم فهل هذا من الفتيا والجرأة على الله عز وجل؟
الجواب
إذا كان بما تعلم أنه الحق، فليس فيه جرأة.
السائل: كأننا صرنا في مقام المفتي نجيبهم؟ الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( بلغوا عني ولو آية ) الكلام على أنك هل أنت متيقن وإلا لا.
السائل: إذا كان الحكم ظاهراً وبيناً؟ الشيخ: مثلاً لو سألك طالب وقال: ما تقول في الزنا؟ تقول حرام، هذا ما فيه إشكال، لكن يسألك عن مسألة لا يعرفها إلا طالب العلم، وتظن أنت أو يخيل لك أنها جائزة، وأنها حرام، وتفتي بهذا، فهذا لا يجوز، لكن الشيء الظاهر ظاهر.
السائل: الإشكال أن يخفى الحكم في الوقت الحاضر، قد يكون يعلم الحكم ولا يتقين منه لنسيان الدليل مثلاً؟ الشيخ: لا.
ينتظر يقول للطالب: انتظر حتى أبحث أو حتى أسأل؛ لأنه مادام الكلمة في نفسك ما عليك شيء، لكن إذا خرجت ما عدت تملكها.
قال ابن عثيمين رحمه الله في لقاء الباب المفتوح .
السؤال
ما هو الأفضل لطالب العلم: الاشتغال بالعلم والدعوة معاً، أو الانتظار حتى ينتهي من طلب العلم ثم الدعوة؟
الجواب
الأفضل أن يجمع بين طلب العلم والدعوة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بلغوا عني ولو آية ).
السائل: لو كان علمه قليلاً هل يدعو، أو حسب العلم؟ الشيخ: لا.
على حسب العلم، إذا كان علمه قليلاً فمعناه: لو اشتغل في الدعوة وذهب يميناً ويساراً معناه: لا يزداد علماً, لكن قصدنا إذا كان الإنسان علمه لا بأس به ويريد أن يجمع بينهما فليفعل.
قال ابن عثيمين رحمه الله في فتاوى نور على الدرب 75
بارك الله فيكم من أم البراء من الرياض تقول في هذا السؤال: فضيلة الشيخ لأنها طالبة للعلم الشرعي ترجو من فضيلتكم النصح في هذا السؤال، تقول: رغم إحساسي أني لم أبلغ العلم الكافي في التبليغ في الدعوة إلى الله وذلك لحيائي، فهل يكفي تبليغ القليل منه؟ أرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الواجب على من آتاه الله علماً أن ينشره بين الناس كلما ما دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن العلم أمانة يجب على المرء أن يؤديها إلى أهلها المستحقين لها، مثل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(بلغوا عني ولو آية). والواجبات التي تجب على العبد تكون بحسب الاستطاعة، فعلى هذه السائلة أن تبلغ من شريعة الله ما علمته بحسب استطاعتها لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لتبدأ بالأقرب فالأقرب؛ لقول الله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين). ولأن الأقرب أحق بالبر من الأبعد، فلتبدأ به، ولتكن حكيمة في أداء العلم: في الأسلوب ،وفي الحال، وفي الوقت، وفي المكان، فإن ذلك مما يكون به الخير، قال الله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذّكّر إلاّ أولوا الألباب).
قال ابن عثيمين رحمه الله فتاوى نور على الدرب 75
قال النبي عليه الصلاة والسلام :(بلغوا عني ولو آية). فإذا احتاج الناس إلى بيان الحديث وتبليغه وجب على من علم به أن يبلغه، لكن بشرط أن يعلم أن هذا الحديث حجة ؛لكونه صحيحاً أو حسناً، وأما الأحاديث الضعيفة فإنه يجب على الإنسان أن يبينها للناس حتى لا يغتروا بها. كذلك إذا سئل الإنسان عن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب عليه أن يبلغه، فيجب تبليغ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالين: إذا اقتضت الحال ذلك، والثاني إذا سئلت عنه. أما إذا لم تسأل عنه، ولم تقتض الحال ذلك، فإن تبليغه سنة وليس بواجب .ولكن ليحذر الإنسان أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يعلم أنه صحيح أو حسن يحتج به ،فإن كثيراً من الإخوة ولاسيما الوعاظ يأتون بأحاديث لا زمام لها، أحاديث ضعيفة بل قد تكون أحاديث موضوعة، يعتقدون أن في ذلك نفعاً للناس وزجراً عن معصية الله عز وجل، ولكن هذا وإن كان قد يجدي بالنسبة لموعظة الناس وتخويفهم من المخالفات وترغيبهم في الموافقات، لكن فيه ضرراً عظيما،ً وهو: التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وقال صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث كذب أو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين). فليحذر الإخوة من أن ينسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم تثبت نسبته إليه.
قال ابن عثيمين رحمه الله فتاوى نور على الدرب 16
وعلى طالب العلم أن يبلغ ما علمه من شريعة الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بلغوا عني ولو آية). فالعلماء ورثة الأنبياء، والوارث يجب أن يكون على هدي الموروث؛ لأن الوارث يحل محل الموروث فيما ترك، فكما أن المال إذا مات صاحبه انتقل المال نفسه إلى ورثته، كذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا ماتوا انتقل ميراثهم وهو العلم إلى من بعدهم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، وعلينا أن نسلك ما سلكه الرسل عليهم الصلاة والسلام في هداية الخلق ودعوتهم إلى الحق، فطالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي عليه مسؤولية في نشر علمه ودعوة الخلق إلى الحق.
قال ابن عثيمين رحمه الله في فتاوى نور على الدرب.
بارك الله فيكم هذا السائل أحمد حسين يقول إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه في أمور الدين وهو ليس متفقهاً في أمور الدين فهل يجب عليه أن يخبره بهذا الشيء وإذا كان المسئول يعمل هذا العمل فهل يحرم عليه أن يخبر غيره بهذا الشيء أم أنه يظل صامتاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه من أمور الدين فإن عليه أن يجيب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (بلغوا عني ولو آية) ولكن إذا قال له السائل مثلاً من أين علمت أن هذا حكمه كذا وكذا فليسنده إلى من سمعه منه من العلماء حتى يكون السائل مطمئناً أما إذا كان لا يعلم فإنه لا يجوز له أن يخبره ولا عبرة لما يشتهر بين العامة فإن العامة قد يشتهر عندهم أن هذا الشيء جائز وهو ليس بجائز وقد يشتهر عندهم أن هذا ليس بجائز وهو جائز لكن إذا كان يعلم الحكم عن عالم من العلماء الموثوق بعلمهم فعليه أن يخبر به وإلا فإنه يجب عليه أن يتوقف لقول الله تبارك وتعالى (قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا باللّه وأن تشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطاناً وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون) ولقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علمٌ إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولاً).
قالت اللجنة في فتاوى اللجنة الدائمة 12 / 60
س: المطلوب بيان العلم الذي هو شرط في تبليغ الناس دعوة الإسلام، وما نوع هذا العلم، وما المدخل إليه، ومن أي الكتب يدرس على وجه التحديد؟ أرجو تسمية تلك الكتب، وهل يشترط لذلك شيخ معلم أم لا، وكيف نبدأ دعوة الناس إلى الحق؟ أرجو بيان الطريق بوضوح. علما بأنني طالب بكلية الطب، وذلك يستلزم جهد ووقت كبيرين في مذاكرة الطب أرجو بيان الإجابة مفصلة غير مجملة؛ بحيث لا تخفى على عامي جاهل .
ج: أولا: يجب على المسلم أن يبلغ ما لديه من العلم، قل ذلك أو كثر، لمن لم يعلمه، من دون تحديد بوقت أو قدر من العلم سوى الحاجة إلى بيان ما عنده، وتبليغه، وقد يتعين عليه إذا لم يوجد من يقوم بالبلاغ والبيان غيره؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعملا بما رواه أحمد والبخاري والترمذي، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « بلغوا عني ولو آية... » الحديث، وما رواه أحمد والترمذي وابن حبان، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نضر الله امرء سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع » ، وقد روي هذا من طرق أخرى، بألفاظ متعددة. وحذرا مما توعد الله به كاتم العلم بقوله سبحانه: { إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللّاعنون } { إلّا الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التّوّاب الرّحيم } ويحرم عليه أن يقول ما لا يعلم، أو يخوض فيما ليس له به علم؛ لقوله تعالى: { قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانًا وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون } وقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علمٌ } وغير ذلك من النصوص التي في معنى ما تقدم؛ حثا على البلاغ، وتحذيرا من القول في الإسلام بغير علم. ثانيا: العلوم الإسلامية أنواع: علم التوحيد بأقسامه: توحيد الربوبية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات. وعلم الفقه بأقسامه: قسم العبادات: كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وقسم المعاملات: كالبيع والشراء والإجارة.. إلخ. وقسم الأحوال الشخصية: كالنكاح والوقف والمواريث.. إلخ. والجنايات، والحدود، وعلم الآداب والأخلاق، وقد ألف في كل نوع منها كتب يعرفها طلبة العلم سيأتي بيان بعضها. ثالثا: المدخل إلى تعلم هذه العلوم دراسة كتاب الله تعالى، وتدبر معانيه، ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفقه فيها، لمعرفة صحيحها من ضعيفها، وفهم معانيها، واستنباط الأحكام، ودراسة كتب الفقه التي ألفها العلماء الأخيار الذين درسوا الكتاب والسنة، واستنبطوا منها الأحكام، وهذه الكتب منها المختصر والمطول والسهل والصعب، وكل يقرأ منها ما يناسب استعداده الفكري، ومقدار تحصيله للعلوم وما يحتاج إليه في حياته، فالبادئ يقرأ في المختصر السهل منها، مثل: تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي، وتفسير ابن كثير، وسبل السلام للصنعاني، شرح بلوغ المرام لأحاديث الأحكام لابن حجر العسقلاني، ومثل: عمدة الفقه لابن قدامة، وكتاب الكافي له وكلاهما في الفقه، وكتاب الآداب الشرعية لابن مفلح، وكتاب العقيدة الواسطية لابن تيمية، وكتاب التوحيد وكتاب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب . وأما العالم أو المتعلم فيختار لنفسه ما ينفعه منها، ويستشير في ذلك من يثق به من أهل العلم، ومن ذلك تفسير ابن جرير الطبري، وفتح الباري لابن حجر على صحيح البخاري، وشرح النووي لصحيح مسلم، وكتاب الأم للشافعي، والمغني لابن قدامة، وبداية المجتهد لابن رشد، ونحو ذلك من الكتب. ولا بد من معلم لكل من يريد أن يتعلم، في أي فن من الفنون العلمية والنظرية والعملية، وهذه ظاهرة كونية في الخلق، مسلمهم وكافرهم، لكنهم يتعاونون في حاجتهم إلى ذلك؛ لتفاوتهم في استعدادهم وما لديهم من تحصيل ووسائل تساعد على فهم الأحكام، وما سهل على الطالب حصله بنفسه من مراجعه الصحيحة، وما أشكل عليه تعاون مع إخوانه على فهمه أو سأل عنه من هو أعلم منه ممن يثق به من العلماء. رابعا: يبدأ الداعية في إرشاده الناس إلى الحق؛ بتعليمهم التوحيد، ثم أصول العبادات، وما يحتاج إليه من المعاملات.. إلخ. وليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، والنقاش الهادئ؛ بقصد الوصول إلى الحق؛ لقوله تعالى: { ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال أيضاً في فتاوى اللجنة الدائمة 5 / 48
السؤال الثالث من الفتوى رقم 4400 س: أن من لم يحفظ ستة آلاف حديث فلا يحل له أن يقول لأحد هذا حلال وهذا حرام فليتوضأ وليصل صلاته فقط.
جـ: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:
كل من تعلم مسألة من مسائل الشريعة الإسلامية بدليلها ووثق من نفسه فيها فعليه إبلاغها وبيانها عند الحاجة ولو لم يكن حافظا للعدد المذكور في السؤال من الأحاديث لما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم: « نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع » رواه أحمد والترمذي وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه وفي رواية: « نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه » رواه الترمذي والضياء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « بلغوا عني ولو آية » .وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال عبد العزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله
و محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله كما في فتاوى إسلامية 4 / 336
س - هل الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة أم تقتصر على العلماء وطلاب العلم فقط ؟
ج- إذا كان الإنسان على بصيرة فيما يدعوا إليه فلا فرق بين أن يكون عالماً كبيراً يشار إليه أو طالب علم مجد في طلبه أو عامياً لكنه علم المسألة علماً يقينياً .. فإن الرسول ، - صلى الله عليه وسلم -، يقول { بلغوا عني ولو آية } .. ولا يشترط في الداعية أن يبلغ مبلغاً كبيراً في العلم ، لكن يشترط أن يكون عالماً بما يدعو إليه ، أما أن يقوم عن جهل ويدعو بناءً على عاطفة عنده فإن هذا لا يجوز.
ولهذا نجد عند الإخوة الذين يدعون إلى الله وليس عندهم من العلم إلا القليل .. نجدهم لقوة عاطفتهم يحرمون ما لم يحرمه الله ، ويوجبون ما لم يوجبه الله على عباده ، وهذا أمر خطيرً جداً.. لأن التحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله .. فهم مثلاً إذا أنكروا على غيرهم تحليل هذا الشيء فغيرهم ينكر عليهم تحريمه أيضاً لأن الله جعل الأمرين سواء . فقال { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ، لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } .
قال محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في جلسات الحج .
وقد كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتكلم في الناس بما يناسب الوقت وبما يناسب الحال، ولهذا ينبغي لطلبة العلم بل يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم في كل حال تقتضي ذلك، وفي كل مكان يقتضي ذلك، وفي كل زمان يقتضي ذلك؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر من ميراثهم، ولا تحقرن شيئاً من العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) ولكن يجب عليك أن تتثبت وأن تتأنى وألا تقول شيئاً إلا عن علم أو عن غلبة ظن تقرب من العلم حتى يكون لكلامك وزن بين الناس، لا تستعجل فتقول اليوم قولاً تنقضه غداً، أو تصر على ما أنت عليه من الباطل بعد أن يتبين لك الحق، الأمر خطير جداً، خطير من وجهه الإيجابي ومن وجهه السلبي؛ إن منعت بيان الحق فأنت على خطر، وإن تكلمت بما لا تعلم فأنت على خطر، فالإنسان يجب عليه بذل الجهد في طلب الحق والوصول إليه، ثم بذل الجهد في نشره بين الناس وتبليغه الناس، مع التأني وعدم التسرع.
فليست خاصّةً بالعلماء الّذين بلغوا في العلم المراتب العالية ، وإنّما ينبغي أن يكون الدّاعي عالمًا بما يدعو إليه ، لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : نضّر اللّه امرأً سمع منّا شيئًا فبلّغه كما سمع . وقوله :
بلّغوا عنّي ولو آيةً وقال بعد أن خطب في حجّة الوداع : ليبلّغ الشّاهد الغائب .
فالمسلم يدعو إلى أصل الإسلام ، وإلى أصل الأمور الظّاهرة منه كالإيمان باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، واليوم الآخر ، وكفعل الصّلاة ، وأداء الزّكاة والصّوم ، والحجّ ونحو ذلك ، وإلى نحو ترك المعاصي الظّاهرة من الزّنا ، وشرب الخمر ، والعقوق ، والفحش في القول . ولكن ليس له أن يدعو إلى شيء يجهله ، لئلاّ يكون عليه إثم من يضلّهم بغير علم ، ويختصّ أهل العلم بالدّعوة إلى تفاصيل ذلك ، وكشف الشّبه ، وجدال أصحابها ، وردّ غلوّ الغالين ، وانتحال المبطلين ونحو ذلك ، ولغير العلماء أيضًا الدّعوة إلى مسائل جزئيّة إذا علموها وأصبحوا بها على بصيرة ، ولا يشترط لذلك التّبحّر في العلم . الموسوعة الفقهية الكويتية 20 / 330
قال محمد الصالح العثيمين رحمه الله في اللقاء الشهري 2 / 323
يجب على العالم أن يبلغ شريعة الله الواجب منها والمستحب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) كل من علم شيئاً من الشرع يجب عليه أن يبلغ به، لكن الأمر شيء آخر الأمر التكليف وطلب فعل، والنهي طلب كف، يأمر الإنسان غيره أو ينهى غيره، أما الدعوة فيقوم مثلاً بين الناس إما في مسجد أو مجتمع ويدعو إلى الله عز وجل.......
حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية.
قال محمد الصالح العثيمين رحمه الله في اللقاء الشهري 1 / 105
[ السؤال ] فضيلة الشيخ: بمناسبة الإجازة نجد عدداً من الإخوة هنا جاءوا لطلب العلم وحصلوا ولله الحمد خيراً كثيراً، إلا أنهم إذا ذهبوا إلى بلادهم في هذه الإجازات لم يكن لهم أثر على من حولهم، كذلك نجد بعض الإخوة هنا في هذه البلاد لا يشاركون إخوانهم في توجيه أصحاب المخيمات في أمور يحتاجونها ولا ينفع الله بهم، أرجو توجيه كلمة بهذه المناسبة لإخواني طلبة العلم أن يكون لهم أثر على إخوانهم في هذه البلاد وغيرها؟
الجواب : لا شك أن من فوائد طلب العلم أن يقوم الطالب بما أوجب الله عليه من تبليغ ما حصله من العلم، هكذا جاء في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه [آل عمران:187]
وهذا الميثاق الذي بين الله وبين الذين أتوا العلم ليس ميثاقاً محسوساً بل إعطاء الله إياه العلم هذا ميثاق عليه أن يبلغه. وأما في السنة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد الغائب) وقال أيضاً: (بلغوا عني ولو آية). فالواجب على طالب العلم ألا يحقر نفسه أن يبلغ ما آتاه الله من العلم، سواء في بلده أم في بلد آخر، ولا سيما في وقت الإجازات التي ليس على الإنسان فيها طلب للعلم ملزم بها.
وقال شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي رحمه الله في فتح المغيث 2 / 312
وأحرص مع تصحيح النية على نشرك للحديث واجعل ذلك من أكبر همك فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالتبليغ عنه بلغوا عني ولو أية قال ابن دقيق العيد ولا خفاء بما في تبليغ العلم من الأجور لا سيما وبرواية الحديث يدخل الراوي في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها
وقال الثعالبي رحمه الله في تفسيره 1 / 425
وكما وجب عليه التبليغ عليه السلام ، وجب على علماء أمته ، وقد قال عليه السلام : " بلّغوا عنّي ولو آية " ، وعن زيد بن ثابت ( رضي اللّه عنه ) قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : " نضّر اللّه امرأ سمع منّا حديثاً ، فحفظه حتى يبلّغه؛ فربّ حامل فقه إلى من ليس بفقية ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ، رواه أبو داود ، واللفظ له ، والترمذيّ والنسائي وابن ماجة ، وابن حبّان في «صحيحه» ، وقال التّرمذيّ رحمه الله : هذا حديثٌ حسنٌ ، ورواه من حديث ابن مسعود ، وقال : حسنٌ صحيحٌ .
وقال ابن القيم رحمه الله في تفسيره 2 / 118
فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه وضمن له حفظه وعصمته من الناس وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم وقد أمر النبي بالتبليغ عنه ولو آية ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثا وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس وإما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه
وهم كما قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته التي ذكرها ابن وضاح في كتاب الحوادث والبدع له قال الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى
ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح اثر الناس
وقال محمد الحسن الشنقيطي رحمه الله في سلسلة الأسماء والصفات 11 / 11
التبليغ أي: تبليغ الرسالات؛ لأن الله توعدهم على ترك التبليغ فوجب أن يكونوا قد بلغوا أنه قال: { ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثمّ لقطعنا منه الوتين } [الحاقة:44-46] .
وقال: { وما على الرّسول إلّا البلاغ المبين } [النور:54] .
وقال: { يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته } [المائدة:67] .
لكن التبليغ لا يجب عليهم أن يبلغوا جميع أممهم؛ لأن الله جعل لهم أعماراً محددة يموتون فيها، فيجب على الرسول أن يبلغ من تقوم بهم الحجة سواء كان واحداً أو أكثر.
فالحجة قد تقوم بواحد إذا كان عدلاً ضابطاً؛ لأن روايته معتبرة،
(ما به أمر) أي: ما أمرهم ببيانه وتبليغه، فقد ينزل إليهم شيء لا يؤمرون بتبليغه، وقد ينزل إليهم شيء فيؤمرون بتبليغه إلى شخص بعينه، كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أبي سورة البينة.
والقاعدة هي ما ذكرناه أنه لا يجب عليهم تبليغ كل أحد، بل يجب عليهم تبليغ من تقوم بهم الحجة، وهذه التي نظمها شيخي رحمها الله بقوله: لا يلزم الرسول أن يبلغ جميع ما علم مما بلغ بل كان يكفيه إذا ما أنفق مرويّه واحداً أو ما اتفقا وهذا لفظ القاعدة في كتب التفسير: أنه إذا بلغ مرويه إلى شخص واحد تقوم به الحجة فذلك كاف؛ لأنه هو المؤتمن عليه يبلغه لمن وراءه.
وقد شرط التبليغ على الاتباع، فكل قوم يشترط عليهم تبليغ ما تعلموه لمن وراءهم كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ) وقال: ( بلغوا عني ولو آية )، وقال: ( نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ).
وقال خالد بن أحمد الزهراني حفظه الله في دعوة أهل البدع 23
فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم، والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو آية، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثًا. وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه".
والدعوة إلى السنة أمر بالمعروف، وإنكار البدعة نهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الشريعة، وبهما يحفظ الدين، وتستقيم العقائد والعبادات.
وقال شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي رحمه الله في الصارم المنكي في الرد على السبكي 1 / 178
ثم قال ابن حبان رحمه الله في أمر رسول الله أمته بالتبليغ عنه من بعدهم مع ذكر إيجاب النار للكاذب عليه دليل على أنه إنما أمر بالتبليغ عنه ما قاله صلى الله عليه وسلم ، أو ماكان من سننه فعلاً أو سكوتا عند المشاهدة لا إنه يدخل في قوله : ( نضر الله امرأ ) المحدثون بأسرهم ، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله دون سقيمة ، وإني خائف على من روي ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عالماً بما يروي .
ثم قال ابن حبان : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر ، حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب ، حدثنا علي بن حفص المدائني ، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع )
قال أبو حاتم رحمه الله : في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم على اليقين صحته ، ثم يحدث به دون ما لا يصح على حسب ما ذكرناه قبل .
وقال علي بن محمد ناصر الفقيهي رحمه الله في الرد القويم البالغ على الخليلي الاباضي 1 / 276
والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، لما خطب المسلمين قال: «ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع »، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نضّر الله أمراً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وفي السنن عن جابر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي».
وقال محمود عبد الحميد العسقلاني رحمه الله في الدعوة السلفية 81
وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (بلغوا عني ولو آية). وقد يكون البلاغ بإبلاغ الناس سنة رسول الله صلىّ الله عليه وسلم لقوله -تعالى-: (بالبيّنات والزّبر وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون (النحل/44).
أي وأنزلنا إليك السنة لتبين للناس ما نزل إليهم من القرآن، وقد يكون البلاغ بإبلاغ الناس والنواهي والمعاني والعلوم والأحكام التي أوحاها الله من غير تبديل ولا تغيير، وذلك لأن البلاغ لا يكتفي فيه بتلاوة الآيات وقراءة الأحاديث، بل لابد من بيان معناها ومراد الله ورسوله منها وبيان الأحكام المترتبة عليها وماذا على العبد بعد معرفتها والداعية لا يكون في سعة ولا يخلص من عذاب الله إلا إذا بلغ ما علم من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلىّ الله عليه وسلم وبيان ما تعلمه من أحكام وذلك لقول الله -تعالى-: (قل إنّي لن يجيرني من اللّه أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحدًا إلا بلاغًا من اللّه ورسالاته ومن يعص اللّه ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبدًا (الجن22-23).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله عند هذه الآية : أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي, كما قال الله -تعالى-: (يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من النّاس إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين (67)(المائدة:67).
وقال أبو حاتم رضي الله عنه : قوله : ( بلغوا غني ولو آية ) أمر قصد به الصحابة ويدخل في جملة هذا الخطاب من كان بوصفهم إلى يوم القيامة في تبليغ من بعدهم عنه صلى الله عليه و سلم وهو فرض على الكفاية إذا قام البعض بتبليغه سقط عن الآخرين فرضه وإنما يلزم فرضيته من كان عنده منه ما يعلم أنه ليس عند غيره وأنه متى امتنع عن بثه خان المسلمين فحينئذ يلزمه فرضه
وفيه دليل على أن السنة يجوز أن يقال لها : الآي إذ لو كان الخطاب على الكتاب نفسه دون السنن لاستحال لاشتمالهما معا على المعنى الواحد
وقوله صلى الله عليه و سلم : ( وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) أمر إباحة لهذا الفعل من غير ارتكاب إثم يستعمله يريد به : حدثوا عن بني إسرائيل ما في الكتاب والسنة من غير حرج يلزمكم فيه
وقوله صلى الله عليه و سلم - : ( ومن كذب علي متعمدا لفظة خوطب بها الصحابة والمراد منه غيرهم إلى يوم القيامة لاهم إذ الله جل وعلا نزه أقدار الصحابة عن أن يتوهم عليهم الكذب وإنما قال صلى الله عليه و سلم هذا لأن يعتبر من بعدهم فيعوا السنن ويرووها على سننها حذر إيجاب النار للكاذب عليه صلى الله عليه و سلم . صحيح ابن حبان 14 /149
وقال الشيخ ولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله رحمه الله في مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح 1 / 703
قوله : (بلغوا عني ولو آية) أي ولو كانت آية قصيرة من القرآن ، والقرآن مبلغ عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ؛ لأنه الجائي به من عند الله ، ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى ، فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفل الله بحفظه لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى. وقيل : المراد بالآية هنا الكلام المفيد ، نحو من سكت نجا ، أي بلغوا عني أحاديث ولو قليلة ، وحرض على تبليغ الأحاديث دون القرآن ؛ لأنه تعالى تكفل بحفظه ، ولأن الطبائع مائلة إلى تعلمه ، أو هو داخل فيه ؛ لأنه {صلى الله عليه وسلم} بلغهما. وقوله "بلغوا" مشعر باتصال سنده ؛ لأن البلوغ انتهاء الشيء إلى غايته وبأدائه من غير تغيير (وحدثوا عن بني إسرائيل) بما وقع لهم من الأعاجيب وإن استحال مثلها في هذه الأمة ، كنزول النار من السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه ، أي مما لا يخالف القرآن والحديث ولا يعارضهما. (ولا حرج) أي لا ضيق عليكم بالتحديث بقصصهم كحكاية قتل أنفسهم في توبتهم من عبادة العجل ، أو تفصيل القصص المذكورة في القرآن مما فيه عبرة. وأما النهي عن اشتغال بما جاء منهم ، فمحمول على كتب التوراة والعمل بالأحكام لنسخها ، أو النهي كان في صدر الإسلام لعدم تقرر الأحكام حينئذ فربما يعمل بما حدث عنهم من الأحكام ، فلما تقررت الأحكام الإسلامية لم يحصل ذلك المحذور. أو أن قوله : "حدثوا" أولاً صيغة أمر تقتضي الوجوب ، فأشار إلى عدمه وأن الأمر للإباحة بقوله "ولا حرج" أي في ترك التحديث عنهم ، فأباح لهم الحديث عنهم للاتعاظ ، ورفع الحرج عنهم في تركه بخلاف التحديث عنه {صلى الله عليه وسلم} ، فإنهم مأمورو رن بالتبليغ عنه. فلهذا قال : بلغوا عني. وقيل : معنى قوله : "لا حرج" أي لا تضيق ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) رواه البخاري.
وقال الملا على القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 2 / 91
قال رسول الله بلغوا عني أي انقلوا إلى الناس وأفيدوهم ما أمكنكم أو ما استطعتم مما سمعتموه مني وما أخذتموه عني من قول أو فعل أو تقرير بواسطة أو بغير واسطة ولو آية أي ولو كان المبلغ آية وهي في اللغة العلامة الظاهرة قال زين العرب وإنما قال آية لأنها أقل ما يفيد في باب التبليغ ولم يقل حديثا لأن ذلك يفهم بطريق الأولى لأن الآيات إذا كانت واجبة التبليغ مع انتشارها وكثرة حملتها لتواترها وتكفل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف لقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون الحجر فالحديث مع أنه لا شيء فيه مما ذكر أولى بالتبليغ وإما لشدة اهتمامه عليه الصلاة والسلام بنقل الآيات لبقائها من سائر المعجزات ولمساس الحاجة إلى ضبطها ونقلها إذ لا بد من تواتر ألفاظها والآية ما وزعت السورة عليها ا ه والثاني أظهر كما لا يخفى وقال المظهر المراد بالآية الكلام المفيد نحو من صمت نجا والدين النصيحة أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة فإن قيل فلم قال ولو آية ولم يقل ولو حديثا مع أنه المراد قلنا لوجهين أحدهما أنه أيضا داخل في هذا الأمر لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغهما وثانيهما أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة القرآن وتعلمه وتعليمه ونشره ولأنه قد تكفل الله بحفظه ا ه والأظهر أن المراد الكلام المفيد وهو أعم من الآية والحديث وإنما اختير لفظ الآية لشرفها أو المراد من الآية الحكم الموحى إليه وهو أعم من المتلوة وغيرها بحكم عموم الوحي الجلي والخفي أو لأن كل ما صدر عن صدره فهو آية دالة على رسالته فإن ظهور مثل هذه العلوم من الأمي معجزة والله أعلم قال الطيبي وفي الحديث فوائد منها التحريض على نشر العلم ومنها جواز تبليغ بعض الحديث كما هو عادة صاحب المصابيح والمشارق ولا بأس به إذ المقصود
وقال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري 6 / 498
ويجمع بين هذه المعاني الثلاثة أنه قيل لها آية لدلالتها وفصلها وإبانتها وقال في الحديث ولو آية أي واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه و سلم
وقال المناوي رحمه الله في فيض القدير 3 / 269
(بلغوا عني) أي انقلوا عني ما أمكنكم ليتصل بالأمة نقل ما جئت به (ولو) أي ولو كان الإنسان إنما يبلغه مني أو عني (آية) واحدة من القرآن وخصها لأنها أقل ما يفيد في باب التبليغ ولم يقل ولو حديثا إما لشدة اهتمامه بنقل الآيات لأنها المعجزة الباقية من بين سائر المعجزات ولأن حاجة القرآن إلى الضبط والتبليغ أشد إذ لا مندوحة عن تواتر ألفاظه وإما للدلالة على تأكد الأمر بتبليغ الحديث فإن الآيات مع كثرة حملتها واشتهارها وتكفل حفظ الله لها عن التحريف واجبة التبليغ فكيف بالأحاديث فإنها قليلة الرواة قابلة للإخفاء والتغير ؟ ذكره القاضي البيضاوي ، وقال الطيبي : بقوله بلغوا عني يحتمل أن يراد باتصال السند بنقل عدل ثقة عن مثله إلى منتهاه لأن التبليغ من البلوغ وهو انتهاء الشئ إلى غايته وأن يراد أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير والمطلوب بالحديث كلا الوجهين لوقوع قوله بلغوا عني مقابلا لقوله الآن حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والضيق ويعضد هذا التأويل آية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) أي وإن لم تبلغ لما هو حقه فما بلغت ما أمرت به وحديث نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها الحديث وقوله ولو آية أي علامة تتميم ومبالغة أي ولو كان المبلغ فعلا أو إشارة بنحو يد أو أصبع فإنه يجب تبليغه حفظا للشريعة وفي صحيح ابن حبان فيه دليل على أن السنن يقال لها آي قال في التنقيح : وفيه نظر إذ لم ينحصر التبليغ عنه في السنن بل القرآن مما بلغ وفيه جواز تبليغ بعض الحديث قال الطيبي : ولا بأس به للعالم وإباحة الكتابة والتقييد لأن النسيان من طبع الإنسان ومن اعتمد على حفظه لا يؤمن عليه الغلط في التبليغ فترك التقييد يؤدي إلى سقوط أكثر الحديث وتعذر تبليغه
وقال عبد المحسن العباد حفظه الله في شرح سنن أبي داود 4 / 344
السؤال: متى يكون طالب العلم أهلاً للدعوة؟ وما المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)؟ الجواب: يكون الإنسان طالب العلم أهلاً للدعوة إذا كان متمكناً من الشيء الذي يدعو إليه، فالإنسان إذا كان غير متمكن وغير عالم بالذي يدعو إليه فقد يأمر بما هو منكر وينهى عما هو معروف، ولكن لا بد من أن يكون عالماً، أن يكون عنده علم وعند معرفة، فإذا أتقن شيئاً أو تحقق من شيء أو عرف أمراً من الأمور فإن له أن يدعو إلى هذا الذي عرفه وتحقق منه، ولا يدخل نفسه في أمور أخرى لا يعرفها ولا يدركها ولا يعقلها، وإنما الشيء الذي أتقنه وعرفه يدعو إليه ويرشد إليه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فمعناه أن الإنسان لا يتساهل في شيء، بل الإنسان يبلغ ولو كان ما عنده إلا شيء يسير، فإنه يبلغ ما عنده، ولكن لا بد من التحقق بأن ما يدعو إليه هو على بصيرة فيه، كما قال الله عز وجل قل هذه سبيلي أدعوا إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اتّبعني [يوسف:108]، فالشيء الذي لا يعرفه ولا يعقله يتركه، ولا يدخل نفسه في أمور لا يدركها ولا يعقلها، فإن ذلك يكون من القول على الله بغير علم
قال محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين 1 / 201
باب الدلالة على الخير والدعوة إليه الدلالة على الخير يعني أن يبين الإنسان للناس الخير الذي ينتفعونه به في أمور دينهم ودنياهم ومن دل على خير فهو كفاعله .
وأما الدعوة إليه فهي أخص من الدلالة لأن الإنسان قد يدل فيبين ولا يدعو فإذا دعا كان هذا أكمل وأفضل والإنسان مأمور بالدعوة إلى الخير أي الدعوة إلى الله عز وجل كما قال تعالى وادع إلى ربك وآخر الآية { إنك لعلى هدى مستقيم } وقال تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } وقال تعالى { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الإنسان ينبغي له أن يكون داعياً إلى الله ولكن لا يمكن أن تتم الدعوة إلا بعلم الإنسان بما يدعو إليه لأن الجاهل قد يدعو إلى شيء يظنه حقاً وهو باطل وقد ينهي عن شيء يظنه باطلاً وهو حق فلا بد من العلم أولا فيتعلم الإنسان ما يدعو إليه وسواء كان عالماً متبحراً فاهما في جميع أبواب العلم أو كان عالماً في نفس المسألة التي يدعو إليها يعني ليس بشرط أن يكون الإنسان عالماً متبحراً في كل شيء بل لنفرض أنك تريد أن تدعو الناس إلى إقام الصلاة فإذا فقهت أحكام الصلاة وعرفتها جيداً فادعو إليها وإن كنت لا تعرف غيرها من أبواب العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية ولكن لا يجوز أن تدعو بلا علم أبداً لأن ذلك فيه خطر خطر عليك أنت وخطر على غيرك أما خطره عليك فلأن الله حرم عليك أن تقول على الله ما لا تعلم قال الله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقال تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي لا تتبع ما ليس لك به علم فإنك مسئول عن ذلك { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } ولا بد أيضا من أن يكون الإنسان حكيما في دعوته ينزل الأشياء في منازلها ويضعها في مواضعها فيدعو الإنسان المقبل إلى الله عز وجل بما يناسبه ويدعو الإنسان المعرض بما يناسبه ويدعو الإنسان الجاهل بما يناسبه كل أناس لهم دعوة خاصة حسب ما يليق بحالهم ودليل هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له إنك تأتي قوما أهل كتاب فأعلمه بحالهم من أجل أن يستعد لهم وأن ينزلهم منزلتهم لأنهم إذا كانوا أهل كتاب صار عندهم من الجدل بما عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم فالمشركون جهال ضلال لكن أهل الكتاب عندهم علم يحتاجون إلى استعداد تام وأيضا يجابهون بما يليق بهم لأنهم يرون أنفسهم أهل كتاب وأهل علم فيحتاج الأمر إلى أن يراعوا في كيفية الدعوة ولهذا قال له إنك ستأتي قوما أهل كتاب ولنضرب لهذا مثلا واقعيا لو أن رجلا جاهلا تكلم وهو يصلي يحسب أن الكلام لا يضر فهذا لا نوبخه ولا ننهره ولا نشدد عليه بل نقول له إذا فرغ من صلاته إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن لكن لو علمنا أن شخصا يعلم أن الكلام في الصلاة حرام ويبطلها لكنه إنسان مستهتر والعياذ بالله يتكلم ولا يبالي فهذا نخاطبه بما يليق به ونشدد عليه وننهره فلكل مقام مقال ولهذا قال تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } والحكمة أن تضع الأشياء في مواضعها وتنزل الناس في منازلها لا تخاطب الناس بخطاب واحد ولا تدعوهم بكيفية واحدة بل اجعل لكل إنسان ما يليق به فلا بد أن يكون الإنسان على علم بحال من يدعوه لأن المدعو له حالات إما أن يكون جاهلا أو معاندا مستكبرا أو يكون قابلا للحق ولكنه قد خفي عليه مجتهدا متأولا فلكل إنسان ما يليق به ثم ذكر المؤلف قول الله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } وسبيل الله هي دينه وشريعته التي شرعها الله لعباده وأضافها إلى نفسه لسببين السبب الأول أنه هو الذي وضعها عز وجل للعباد ودلهم عليها والثاني أنها موصولة إليه فلا شيء يوصل إلى الله إلا سبيل الله التي شرعها لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقوله { بالحكمة والموعظة } الحكمة قال العلماء إنها من الأحكام وهو الإتقان وإتقان الشيء أن يضعه الإنسان في موضعه فهي وضع الأشياء في مواضعها وأما الموعظة فهي التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب فإذا كان الإنسان معه شيء من الإعراض فإنه يوعظ وينصح فإن لم يفد فيه ذلك فيقول تعالى
{ وجادلهم بالتي هي أحسن } إذا كان الإنسان عنده شيء من المجادلة فيجادل، والمجادلة بالتي هي أحسن أي من حيث المشافهة فلا تشدد عليه ولا تخفف عنه انظر ما هو أحسن بالتي هي أحسن أيضا من حيث الأسلوب والإقناع وذكر الأدلة التي يمكن أن يقتنع بها لأن من الناس من يقتنع بالأدلة الشرعية أكثر مما يقتنع بالأدلة العقلية وهذا هو الذي عنده إيمان قوي ومن الناس من يكون بالعكس لا يقتنع بالأدلة الشرعية إلا إذا ثبت ذلك عنده بالأدلة العقلية فتجده يعتمد على الأدلة العقلية أكثر مما يعتمد على الأدلة الشرعية بل ولا يقتنع بالأدلة الشرعية إلا حيث تؤيدها عنده الأدلة العقلية وهذا النوع من الناس يخشى عليه من الزيغ والعياذ بالله إذا كان لا يقبل الحق إلا بما عقله بعقله الفاسد فهذا خطر عليه ولهذا كان أقوى الناس إيمانا أعظمهم إذعانا للشرع أي للكتاب والسنة فإذا رأيت من نفسك الإذعان للكتاب والسنة والقبول والانقياد فهذا يبشر بخير وإذا رأيت من نفسك القلق على الأحكام الشرعية إلا حيث تكون مؤيدة عندك بالأدلة العقلية فاعلم أن في قلبك مرضا لقوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } بحيث لا يمكن أن يختاروا شيئا سوى ما قضاه الله ورسوله { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } وقوله { وجادلهم بالتي هي أحسن } وجاء في آية العنكبوت { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } فهؤلاء لا تلينوا معهم إذا كانوا ظالمين فقاتلوهم بالسيف حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وعلى هذا فتكون المراتب أربعة الحكمة الموعظة المجادلة بالتي هي أحسن المجالدة بالسيوف لمن كان ظالما وقال تعالى { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير }
وقال أيضاً رحمه الله في شرح رياض الصالحين 1 / 824
وكذلك ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم كل من علم سنة ينبغي أن يبينها في كل مناسبة ولا تقل أنا لست بعالم نعم لست بعالم لكن عندك علم قال النبي صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية فينبغي للإنسان في مثل هذه الأمور أن ينتهز الفرص كلما سمحت الفرصة لنشر السنة فانشرها يكن لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة
وقال أيضاً رحمه الله في شرح رياض الصالحين 1 / 1583
ففي هذا حث على العلم وعلى التعليم وعلى الدعوة إلى الله عز وجل لأنه لا يمكن أن يدعو الإنسان إلى الله إلا وهو يعلم فإذا كان يعلم ما يعلم من شريعة الله ودعا إلى ذلك كان هذا دليلا على فضل العلم . ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عني ولو آية بلغوا عني يعني بلغوا الناس بما أقول وبما أفعل وبجميع سنته عليه الصلاة والسلام بلغوا عني ولو آية من كتاب الله ولو هنا للتقليل يعني لا يقول الإنسان أنا لا أبلغ إلا إذا كنت عالما كبيرا لا إنما يبلغ الإنسان ولو آية بشرط أن يكون قد علمها وأنها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال في آخر الحديث: ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار من كذب على الرسول متعمداً يعلم أنه كاذب فليتبوأ مقعده من النار هنا اللام للأمر لكن المراد بالأمر هنا الخبر يعني فقد تبوأ مقعده من النار والعياذ بالله أي فقد استحق أن يكون من ساكني النار لأن الكذب على الرسول ليس كالكذب على واحد من الناس الكذب على الرسول كذب على الله عز وجل ثم هو كذب على الشريعة لأن ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي هو من شريعة الله وكذلك يقال: الكذب على العالم ليس كالكذب على عامة الناس يعني مثلا تقول فلان كذا وكذا قال: هذا حرام هذا حلال هذا واجب هذا سنة وأنت تكذب هذا أيضا أشد من الكذب على عامة الناس لأن العلماء ورثة الأنبياء يبلغون شريعة الله إرثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كذبت عليهم إذ قال العالم فلان كذا وكذا وأنت تكذب فهذا إثمه عظيم نسأل الله العافية بعض الناس والعياذ بالله إذا اشتهى شيئا يكف الناس عنه قال: قال العالم فلان هذا حرام هو يكذب لكن يعرف أن الناس إذا نسب العلم إلى فلان قبلوه فيكذب وهذا أشد من الكذب على عامة الناس .
فالحاصل أن من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن نقل عمدا حديثا كذبا يعلم أنه كذب فهو أحد الكذابين يعني فليتبوأ مقعده من النار .
وما أكثر من ينشر من النشرات التي بها الترغيب أو الترهيب وهي مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم لكن بعض المجتهدين الجهال ينشرون هذه النشرات ويوزعونها بكمية كبيرة يقولون: نعظ الناس بهذا كيف تعظونهم بشيء كذب ولهذا يجب الحذر من هذه المنشورات التي تنشر في المساجد أو تعلق على الأبواب أبواب المساجد أو غير ذلك يجب الحذر منها وربما يكون فيها أشياء مكذوبة فيكون الذي ينشرها قد تبوأ مقعده من النار إذا علم أنها كذب .


قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم- رحمك الله- أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/49-53
قوله: (واعلم- رحمك الله- أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب) العلم ليس بكثرة المعلومات والإطلاع وكثرة الكتب، العلم إنما هو بالفقه وبالإتباع والعمل ولو كان العلم قليلاً، فالقليل من العلم مع العمل الصالح والفقه في دين الله كثير، والعلم الكثير من غير عمل، ومن غير إتباع لا فائدة فيه، فاليهود فيهم علماء، فيهم أحبار ومع هذا لم ينفعهم علمهم وصاروا مغضوباً عليهم؛ لأنهم عصوا الله على بصيرة، فليس القصد كثرة العلم، وكثرة المطالعات، المقصود العمل، هذا هو المقصود بالعلم، وهذا هو طريق المنعم عليهم، كما قال تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم (6) صراط الّذين أنعمت عليهم} وهم: أهل العلم والعمل، {غير المغضوب عليهم} وهم: أهل العلم بدون عمل، {ولا الضّالّين} [الفاتحة: 6-7) وهم أهل العمل بدون علم، فالعلم لا ينفع إلا مع العمل، والعمل لا ينفع إلا مع العلم، فلابد من اجتماع العلم والعمل، وهذا طريق المنعم عليهم.
قوله: (وإنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب) إنما العالم من اتبع الكتاب والسنن، وإن كان قليل المحصول في العلم، بخلاف من كان محصوله في العلم كثيراً، أو عنده كتب كثيرة ومتنوعة ولكنه لا يعمل فهذا لا فائدة فيه.
العلم إنما يكثر ويزكو وينمو مع العمل الصالح، أما علم بدون عمل فهو منزوع البركة وهو لا يستقر، والعلماء على قسمين:
الأول: علما باللسان فقط.
الثاني: علماء باللسان والقلب، وهم أهل الخشية، قال تعالى: {إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء}[فاطر: 28]، فالعلم والخشية هما العلم الصحيح، أما علم اللسان بدون خشية فهذا هو علم المنافقين، نسأل الله العافية.
قوله: (ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة)؛ لأن البدعة: هي ما يتقرب به العبد إلى الله من غير دليل من كتاب ولا سنة، قال صلى الله عليه وسلم , (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردد عليه عمله، وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)([34])، فالذي يحدث البدعة والذي يعمل بها عمله مردود عليه؛ لأنه يعمل عملاً لم يشرعه الله ولا رسوله، فالله لا يقبله، ومن ثم قال العلماء عن العمل: لا يقبل إلا بشرطين:
الشرط الأول: الإخلاص لله- عز وجل- من الشرك.
والشرط الثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم , وذلك يترك البدع والمحدثات.
فكل عمل خالطه الشرك فهو باطل، وكل عمل أسس على البدعة فهو باطل، ولا يصح إلا ما كان خالصاً لوجه الله وصواباً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,.
قوله: (وإن كان كثير العلم والكتب) ما دام أنه مبتدع فلا ينفعه علمه، ولو كان غزير العلم متبحراً، إذا لم يكن متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم , وإنما يعمل بقول فلان وفلان، فإن علمه لا فائدة فيه، وكتبه لا يستفيد منها، قال الله تعالى في اليهود: {مثل الّذين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً}.[الجمعة:5] الذي عنده مكتبة ضخمة وهو تارك للعمل أو مبتدع، هذا مثل الحمال يحمل الكتب ولا يستفيد منها.
تفسير ابن أبى حاتم 12 / 43
عن ابن مسعود، رضي اللّه عنه، قال:" ليس العلم من كثرة الحديث، ولكنّ العلم من الخشية "
عن صالح أبي الخليل، رضي اللّه عنه، في قوله:" " إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء " ، قال: أعلمهم باللّه أشدّهم له خشيةً"
من طريق سفيان، عن أبي حيّان التّيميّ، عن رجل، قال:"كان يقال: العلماء ثلاثةٌ: عالمٌ باللّه، وعالمٌ بأمر اللّه، وعالمٌ باللّه ليس بعالم بأمر اللّه، وعالمٌ بأمر اللّه ليس بعالم باللّه، فالعالم باللّه وبأمر اللّه: الّذي يخشى اللّه ويعلم الحدود والفرائض، والعالم باللّه ليس بعالم بأمر اللّه: الّذي يخشى اللّه ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر اللّه ليس بعالم باللّه: الّذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى اللّه"
عن مالك بن أنس، رضي اللّه عنه، قال:"إنّ العلم ليس بكثرة الرّواية، إنّما العلم نورٌ يقذفه اللّه في القلب"
تفسير ابن كثير 6 / 545
وقال سعيد بن جبير رحمه الله: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل.
وقال الحسن البصري رحمه الله: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: { إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء إنّ اللّه عزيزٌ غفورٌ } .
وقال أحمد بن صالح المصري رحمه الله ، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب.
قال أحمد بن صالح المصري رحمه الله : معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض الله، عز وجل، أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: "نور" يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.
قال ـ تعالى ـ: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نّهدي به من نّشاء من عبادنا} [الشورى: 52]. قال إمامنا مالك: «إن العلم ليس بكثرة الرواية، ولكنه نور جعله الله في القلوب».
- بمعنى: القرآن: حيث سمّى الحق ـ سبحانه ـ القرآن علماً في قوله ـ تعالى ـ: {ويرى الّذين أوتوا العلم الّذي أنزل إليك من رّبك هو الحقّ} [سبأ: 6]. كما عرّف النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن بالعلم في قوله: «أبا المنذر! أي آية معك في كتاب الله أعظم ـ مرتين؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!».
- بمعنى: الحديث: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة! أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، وإن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه». وفي رواية: «والذي نفسي بيده! لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك؛ لما رأيت من حرصك على العلم».
المدخل 4 / 21
وإن كان صاحبه متلبساً بالعلم لأن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما هو باتباع ما يأمر العلم به والعلم ينهى عن ذلك
قال الأمام الذهبي رحمه الله: ثم العلم ليس بكثرة الرواية , ولكنه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الاتباع ,والفرار من الهوى والابتدع ,وفقنا والله وإياكم لطاعته
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمناً حتى يصير كافراً؛ إلا أن يجحد شيئاً مما أنزله الله، أو يزيد في كلام الله، أو ينقص، أو ينكر شيئاً مما قال الله عز وجل، أو شيئاً مما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم , : فاتق الله رحمك الله وانظر لنفسك وإياك والغلو في الدين فإنه ليس من طريق الحق في شيء.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/84-90:
قوله: (واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمناً حتى يصير كافراً؛ إلا أن يجحد شيئاً مما أنزله الله) يعني أن نواقض الإسلام كثيرة، قد يكون الإنسان مسلماً صحيح الإسلام مؤمناً صادقاً، لكن- والعياذ بالله- قد يرتد عن دينه بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، وهي كثيرة، يجمعها أربعة أنواع: القول، والفعل، والاعتقاد، والشك.
الأول: القول: قول كلمة الكفر، إذا قال كلمة الكفر غير مكره يكفر، قال تعالى: {ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم}[التوبة:74]؛ كأن يدعو غير الله، يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الأموات وغيرهم؛ يكفر بذلك؛ لأنه دعا غير الله، أو يتكلم بكلام فيه سخرية بالدين، أو بالكتاب أو السنة، قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب قل أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون}[التوبة:65، 66] فالذي يستهزئ بالسنة أو بالقرآن يكفر ولو كان مازحاً ما لم يكن مكرهاً، قال تعالى: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}[النحل:106]، أما من قال هذا مختاراً فإنه يكفر.
الثاني: الفعل: كان يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يسجد لغير الله، يسجد للضريح، هذا فعل.
الثالث: أو الاعتقاد بالقلب: كأن يعتقد صحة الكفر، وصحة ما عليه الكفار، كالذي يعتقد صحة ما عليه اليهود والنصارى بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ,.
الرابع: أو الشك: كأن يشك في القرآن هل هو صحيح أو ليس صحيحاً؟ هل هذه الآية صحيحة أو ليست صحيحة؟ فهذا يكفر- والعياذ بالله-، أو شك فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , من الأحاديث.
هذه أصول الردة: قول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك، ثم ينشأ عن هذه الأربعة أنواع من نواقض الإسلام كثيرة ذكرها العلماء، وقد لخص منها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- رسالة ذكر فيها عشرة نواقض من أخطرها وأهمها، وإلا فالنواقض كثيرة مذكورة في باب حكم المرتد من كتب الفقه.
قوله: (أو يزيد في كلام الله، أو ينقص) يزيد آية أو حرفاً في كلام الله، أو ينقض حرفاً أو آية من كلام الله، فهذا يكفر والعياذ بالله؛ لأنه محرف لكلام الله، مغير لكلام الله عز وجل، فالقرآن كله حق، وكله كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم , لم يغير ولم يبدل وهو محفوظ بحفظ الله جل وعلا، ولا أحد يستطيع أن يغيره، لكن من حاول فإنه يكفر ويخرج من الإسلام، ولن يغير القرآن أبداً، لأنه محفوظ بحفظ الله عز وجل.
قوله: (أو ينكر شيئاً مما قال الله عز وجل، أو شيئاً مما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ,) أو ينكر شيئاً من القرآن، يقول: هذا لا يصلح لهذا العصر. أو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم , يقول: هذا يصلح في زمان مضى ولا يصلح لحضارة اليوم، يعني القرآن والسنة إنما هي لعصر مضى وعصور مضت، ولا تصلح لنا اليوم، هذا يكفر- والعياذ بالله- وكثير ممن يقولون: إن أحكام الشريعة لا تصلح لهذا الزمان ولا تنطبق على هذا الزمان وهذا كفر صريح، فإذا صح الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم , فلا يجوز إنكاره أو يقال: هذا ما يصلح لهذا الزمان.
قوله: (فاتق الله) اتق الله أن يقع في نفسك شيء من هذه الأمور فتخرج عن دينك، اتق الله في نفسك ولا تزك نفسك أو تأمن على دينك،.
قوله: (وانظر لنفسك) انظر لنفسك لا تنظر للناس وما عليه الناس، انظر لنفسك، قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}[المائدة:105]، لا تقل: هذا عليه الناس كلهم، انظر لنفسك أنج بنفسك، الناس دعهم عنك إذا لم يقبلوا الحق فأنت أثبت عليه ولا تغتر بما عليه الناس.
قوله: (وإياك والغل في الدين) هذه ناحية أخرى؛ لأن الدين يخرج الإنسان منه بأحد أمرين:
إما بتركه، أو ترك شيء منه زهداً فيه.
وإما بالغلو والزيادة في التشدد.
فالخروج من الدين يحصل: إما بالتساهل، وإما بالتشدد، فعليك بالوسط بين التساهل والتشدد، وهذا هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم , وأصحابه، والغلو يخرج الإنسان من الدين؛ كما أخرج الخوارج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيهم: (يمرقون من الدين؛ كما يمرق السهم من الرمية)([35])، فالغلو يخرج الإنسان من الدين:
إما إخراجاً كاملاً إلى الكفر.
وإما إخراجاً جزئياً بحسب ما يحصل له.
وقد يكون الغلو في الدين في العبادة، مثل غلو النصارى في الرهبانية، ومثل الذين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , يسألون عن عمله، فلما أخبروا كأنهم تقالوا عمل الرسول ولكن قالوا: (إن الرسول غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) يعني: فليس هو بحاجة إلى كثرة العمل، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم , عن ذلك غضب عليهم غضباً شديداً، وخطب صلى الله عليه وسلم , وقال: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم لله، وإني أصلي وأنام)؛ لأن واحداً منهم قال: أنا أصلي ولا أنام. قال الثاني: أنا أصوم ولا أفطر. كل عمره يصوم، وقال الثالث: أنا لا أتزوج الناس، تبتل تفرغ للعبادة، قال صلى الله عليه وسلم , (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم لله، وإني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)([36]) في رواية أن أحدهم قال: لا آكل اللحم. قال صلى الله عليه وسلم ,: (وأنا آكل اللحم، ومن رغب عن سنتي فليس مني)([37])، قصدهم الخير ولكن لا يكفي القصد لابد من الإتباع مع القصد، لابد من إتباع السنة مع القصد والنية الصالحة، أما نية صالحة بدون إتباع فإنها لا تنفع صاحبها.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب، فإن هؤلاء كلهم على الضلالة.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/127-130:
قوله: (واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة) وهم الصوفية، لما حذرك من الجلوس مع علماء الكلام، حذرك مع الجلوس مع فرقة أخرى ضالة وهم الصوفية الذين يعبدون الله بالبدع والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويتركون السنة، بل لا يعبؤون بالحديث، ولا يعبؤون بطلب العلم، ويحذرون من طلب العلم، يقولون: (طلب العلم يشغلك عن ذكر الله، يشغلك عن العبادة). وهذا ضلال؛ لأن العبادة لا تصلح، والذكر لا يصلح إلا إذا كان على وفق الكتاب والسنة، ولا يكون كذلك إلا بالعلم؛ ولذلك ضلوا- والعياذ بالله-، زهدوا في العلم والتعلم، وقالوا للناس: (اشتغلوا بذكر الله، اشتغلوا بالعبادة)، هذا هو عين الضلال؛ لأن العبادة والذكر لا يصحان إلا إذا كانا على علم صحيح، وإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم , أما إذا كانا على غير علم وإتباع كانا ضلالاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم , (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) كيف تعلم أن هذا عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم , إلا بالتعلم، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) كيف تعلم أنه محدث إلا إذا قابلته بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , فلابد من التعلم أولاً، ولا تزهد في العلم وطلب العلم، طلب العلم أفضل من نوافل العبادات، فالذي يجلس يذاكر مسألة من العلم أفضل من الذي يقوم الليل كله، لماذا؟ لأنه يعبد الله على علم وبصيرة؛ ولأن العالم ينفع نفسه وينفع غيره، أما العابد الذي يصلي الليل كله ويصوم النهار هذا ينفع نفسه فقط، ولا ينفع الناس، فنفعه قاصر على نفسه فأنت إذا تعلمت نفعت نفسك ونفعت الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم , (فضل العالم على العابد؛ كفضل القمر على سائر الكواكب)([38])؛ لأن القمر ينير الكون ويسير عليه الركبان، ويصلح الله به الثمار، وله منافع عظيمة، أما الكوكب فهو إنما ينور نفسه فقط، نوره قاصر عليه، هذا في العابد الذي يعبد الله على حق فكيف بالعابد الذي يعبد الله على جهل، هذا ربما تكون عبادته ضلالاً مردودة عليه، فلابد من العلم وطلب العلم، ولا يغرك هؤلاء الذين يحثون الناس على الذكر والخروج وصلاة الليل والصيام، ويزهدون في طلب العلم، والجلوس في المساجد لطلب العلم على العلماء.
قوله: (ومن يخلو مع النساء)؛ لأن بعض الصوفية لا يتورعون عن الحرام، يقولون: (نحن ما علينا تحريم، وليس علينا واجبات؛ لأننا وصلنا إلى الله، لسنا بحاجة إلى العبادة)؛ ولذلك يستعملون اللواط، ويستعملون الزنا، ويستعملون النظر المحرم، ويقولون: (ما علينا إثم في هذا؛ لأننا ننظر في آيات الله) يقولون: (هذا من النظر في آيات الله)، يزين لهم الشيطان هذا الشيء، ويخلون مع المردان، ويحصل منهم شرور، ويزعمون أنهم أولياء الله، وأنهم ليس عليهم حرج فيما فعلوا، انظر كيف يصل العبد إلى هذا الحد والعياذ بالله، فلا تجلس مع هؤلاء.
قوله: (وطريق المذهب) أي: طريق مذهب الصوفية، يقولون: (اجعل لك شيخاً) أي: شيخ طريقة تسلك على يديه، (الذي ليس له شيخ شيخه الشيطان) لابد أنك تتبع لشيخ وتبايعه على الطريقة أنك ما تخرج عنها، لهم اصطلاحات خبيثة فعليك أن تحذر منهم، يدعون الناس إلى الخروج من دين الله إلى دين الشيطان والعياذ بالله.
قوله: (فإن هؤلاء كلهم على الضلالة هؤلاء الصوفية بما فيهم عامتهم وعلماؤهم ومريدوهم ومشايخهم، كلهم على ضلالة، إلا من عمل بالسنة، فهذا على الحق.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فاحذره، وعرفه، فإن جلس معه بعدما علم فاتقه، فإنه صاحب هوى.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/215-218:
أهل الأهواء: هم الذين يتبعون أهواءهم ونزعاتهم، ولا يتبعون الكتاب والسنة، إنما يتبعون ما تهواه أنفسهم، فإذا خالف الكتاب والسنة أهواءهم تركوا الكتاب والسنة وما وافق أهواءهم أخذوه لا عن إيمان به، ولكن لأنه وافق أهواءهم، وهذه طريقة اليهود، فإن اليهود إنما يطيعون الرسل فيما وافق أهواءهم، وما خالف أهواءهم خالفوا الرسل فيه، فإما أن يقتلوهم، وإما أن يكذبوهم؛ كما قال الله تعالى: {كلّما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون}[المائدة:70]، وقال في المنافقين من هذه الأمة: {وإذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم معرضون}[النور:48، 49]، هذه طريقة أهل الأهواء قديماً وحديثاً، فالمقياس للحق عندهم هو ما وافق أهواءهم، وما خالف أهواءهم فهو الباطل، ولو نزل به جبريل على محمد فإنه عندهم الباطل، هذه طريقتهم، وهذا ما عليه فرق الضلال من هذه الأمة، فإنهم لا يقبلون ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم , بل لا يقبلون ما جاء في القرآن، ولا يقبلون ما جاء في السنة مما يخالف نحلهم وأهواءهم، فإما أن يأولوه ويحرفوه، وإما أن يكذبوه، هذه طريقتهم، يقول المؤلف- رحمه الله- فاحذر هؤلاء أن تجلس معهم؛ لأنهم يؤثرون عليك، وربما تقتنع بطريقتهم فتكون معهم، فابتعد عنهم لا تجالس أهل البدع، سواء كانت بدعاً في الاعتقاد؛ كالجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع، أو بدعاً في العبادة؛ كالذين يعبدون الله على جهل وضلال، ويتزهدون ويتعبدون، ولكنهم على غير دليل، وعلى غير هدى، وهذا ينطبق على الصوفية ومن وافقهم، ممن هم مبتدعة في العبادة، أو كانت بدعتهم فيما هو دون ذلك، والبدع تختلف، وكلها شر لا يتساهل فيها، ولا يقال: هذه بدعة يسيرة، لا يتساهل بالبدع؛ لأنها كالشرارة من النار، إذا تركت أحرقت ما حولها، وإذا بودرت وأطفئت سلم الناس من شرها، البدع هكذا، فعلى المسلمين أن يحذروا من المبتدعة ولا يحسنوا بهم الظن، أو يغتروا بما يظهر منهم من بعض المظاهر، ويقولون: هؤلاء أهل عبادة، هؤلاء أهل توبة، هؤلاء يرققون القلوب، هؤلاء أهل ذكر. هؤلاء يتوبون العصاة، كما يقال في جماعة التبليغ، ماداموا مبتدعة صوفية فلا تغتر بهم.
قوله: (وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فاحذره) إذا رأيت الرجل يجلس مع المبتدعة فاحذره؛ لأن جلوسه معهم دليل على أنهم يحبهم ويألفهم وربما أثروا عليه، والمرء من جليسه، فالذي يجالس أهل الخير فهذا دليل على أنه يحب الخير وأهل الخير، والذي يجالس أهل الشر هذا دليل على أنه يألف الشر ويحب أهل الشر، والله- جل وعلا- يقول: {وإذا رأيت الّذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره وإمّا ينسينّك الشّيطان فلا تقعد بعد الذّكرى مع القوم الظّالمين}[الأنعام:68]، وقال تعالى: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره إنّكم إذاً مثلهم}[النساء:140]، وأمر نبيه أن يجلس مع أهل الخير فقال تعالى: {واصبر نفسك مع الّذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدّنيا}[الكهف:28]، فأمره الله أن يجلس مع بلال وعمار وسلمان فقراء الصحابة ولا يجلس مع أكابر قريش وغيرهم، كان صلى الله عليه وسلم , يجلس معهم طمعاً في إيمانهم وتأليفهم، ولكن الله نهاه عن ذلك؛ لأنهم قالوا: اطرد عنا هؤلاء حتى نجلس ونسمع لك. فالنبي صلى الله عليه وسلم , من حرصه على الخير هم أن يجعل لهؤلاء الضعفاء مجلساً آخر، استجابة لطلب الأكابر من قريش طعماً في إسلامهم، فنهاه الله عن ذلك قبل أن ينفذه، وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطاً}[الكهف:28] لأن الله يعلم أن هؤلاء لا يقبلون ولا يؤمنون، فقال له: {ولا تطرد الّذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظّالمين}[الأنعام:52].
وقوله: (وعرفه، فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه، فإنه صاحب هوى) معناه أنك تناصحه عن مجالسة أهل الشر، فإن لم يقبل النصح فاعتزله؛ لأنه جلس مع صاحب البدعة عن علم، لا عن جهل.
قال الإمام القرطبي رحمه الله في الجامع لأحكام القرآن (5/268:
فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، وعملوا بها؛ فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وقال أيضاً: وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير(2/228-229).
وقد نبهت الآية عن التحذير من مجالسة العصاة؛ قال إبراهيم النخعي: إن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضى الله بها، فتصيبه الرحمة، فتعم من حوله؛ وإن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله.
قال الإمام النووي رحمه الله الأذكار160 عند حديثه عن الجلوس للتعزية، وبعد نقله لرأي مذهب الشافعية القائلين بالكراهة: وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات فإنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح:" إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
التجلية لحكم الجلوس للتعزية 1 / 41
فيحرم بعد هذا البيان الجلوس في أي مجلس يعصى الله تعالى فيه، سواءً كان مجلس تعزية أو غيره، ويجب تذكير من فيه بالله - عز وجل -، وتخويفهم به، فإن أبوا فلا يجالسون، والتعامل مع أهل البدع أشد من التعامل مع أهل المعاصي، لأن أهل البدع أخطر على المسلم من أهل المعاصي.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/219-220:
هناك جماعة يسمون القرآنية، لا يحتجون إلا بالقرآن بزعمهم، ويرفضون السنة، وهؤلاء زنادقة، لأن العمل بالسنة عمل بالقرآن، قال تعالى: {وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر:7]، ولأن السنة مفسرة للقرآن، ومبينة له، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم}[النحل:44]، وهؤلاء القرآنية قد أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم , بقوله: (رب رجل شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه) قال صلى الله عليه وسلم ,: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)([39])، والله- جل وعلا- يقول: {وما ينطق عن الهوى} يعني الرسول صلى الله عليه وسلم ,{إن هو إلاّ وحيٌ يوحى}[النجم:3، 4]،فالأحاديث وحي من الله جل وعلا، وإن كانت ألفاظها من الرسول، لكن معانيها من الله جل وعلا.
فهذا الذي يحتج بالقرآن- بزعمه- ولا يحتج بالسنة، زنديق، يعني منافق، الزنديق يراد به المنافق، هذا معنى قوله: (قد احتوى الزندقة).
وقوله: (فقم من عنده ودعه) لا تجلس معه؛ لأن بعض الناس يقول: هذا يحتج بالقرآن، فيغتر به، وهو لم يحتج بالقرآن، لأن القرآن أمر بالأخذ بالسنة فهذا لم يحتج بالقرآن إنما يريد التغطية والتعمية على الناس.
وعن أبي رافع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه » رواه الترمذي 2663 وأبوداود 4605 وصححه الألباني رحمه الله تعالى وكذلك شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند 2/272 وفي الجامع الصحيح القدر 386
وجاء عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لايوشك رجل شبعان على أريكته ( أي السرير ) يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه » رواه أبوداود وصححه الألباني رحمه الله تعالى4604 وكذلك شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح في القدر 385
قال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء 4 /472
وعن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا، وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال.
قلت أنا: - الذهبي - وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والاحاديث الآحاد، وهات " العقل " فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، فإن جبنت منه، فاهرب، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه.
قال الإمام البربهاري رحمه الله:
واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو كلها إلى السيف، وأردؤها وأكفرها الروافض والمعتزلة والجهمية، فإنهم يردون الناس عن التعطيل والزندقة.
قال صالح الفوزان في إتحاف القارئ 2/221-223:
قوله: (واعلم أن الأهواء كلها ردية) الأهواء: ما خالف الكتاب والسنة من المذاهب والآراء والأفكار، فكل ما خالف الكتاب والسنة من الآراء والمذاهب والأفكار والحزبيات وغير ذلك فإنه من الأهواء، قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنّما يتّبعون أهواءهم ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدًى من اللّه}[القصص:50]، فهذا هو واجب المسلم أن يتبع ما جاء عن الله ورسوله، ولا يتبع ما رغبت فيه نفسه، أو قال به فلان وعلان، الواجب أن يعرض أقوال الناس على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة أخذ به، وما خالف الكتاب والسنة تركه، هذا هو صاحب الحق، أما الذي يذهب مع الناس أينما ذهبوا ويكون إمعة ولا يفكر فيما هم عليه، ولا يختبر ما هم عليه فهذا صاحب هوى، يتبع هواه.
قوله: (تدعو كلها إلى السيف) يعني: أن الأهواء تدعو إلى الفتنة، فالحروب التي وقعت بين المسلمين، وانشقاق الكلمة، إنما جاء عن أصحاب الأهواء من المعتزلة والخوارج وغيرهم هم الذين سببوا الفتنة، ما جاءت الفتن إلا من قبلهم وبسببهم، من الذي قتل عثمان رضي الله عنه؟ من الذي قتل علياً رضي الله عنه؟ من الذي أوقد الفتنة بين المسلمين بعد ذلك إلا أصحاب الأهواء؟ من الذي أغرى المأمون ومن جاء بعده بامتحان أهل السنة حتى سحبوا إمامهم أحمد بن حنبل- رحمه الله- وضربوه وسجنوه إلا أهل الأهواء، من الذي سجن شيخ الإسلام ابن تيمية حتى مات في السجن رحمه الله؟ إلا هؤلاء أهل الأهواء، فعلينا أن نحذر من هؤلاء؛ لأن شرهم يؤول في النهاية إلى تمزيق كلمة المسلمين، والخروج على ولي أمر المسلمين، وتفريق جماعة المسلمين ليكونوا شيعاً وأحزاباً بدلاً من أن يكونوا أمة واحدة.
قوله: (وأردؤها وأكفرها الروافض والمعتزلة والجهمية) هؤلاء هم شر أصحاب الأهواء، وفي قمتها الرافضة من الشيعة، سموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما دعوه أن يوافقهم على سب أبي بكر وعمر، وقال: (لا، أبوبكر وعمر وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم ,) فلما أبى أن يوافقهم قالوا: إذاً نرفضك، فسموا بالرافضة.
والجهيمة أتباع الجهم بن صفوان الذي تكرر ذكره.
والمعتزلة أتباع عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الذين اعتزلوا مجالس الحسن البصري، وانحازوا ولم يأخذوا العلم عن علماء السنة، فسموا (معتزلة).
قوله: (فإنهم يردون الناس على التعطيل والزندقة) التعطيل: نفي الأسماء والصفات، والزندقة: وهي رفض الكتاب والسنة، والأخذ بدلهما بالأهواء والرغبات.
قال الإمام البر بهاري رحمه الله:
ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سنة، حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، لا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها.
قال صالح الفوزان حفظه الله في إتحاف القارئ 2/275:
لا تزكي الشخص وتمدحه إلا عن علم؛ لئلا يغتر الناس بمدحك له وهو ليس كذلك، فإذا تحققت منه ومن طريقته، ومن علمه ومن استقامته فإنك تزكيه، أما أن تنبعث في مدحه وتزكيته وأنت لا تعلم عنه شيئاً فهذه تزكية خطيرة تغر الناس بهذا الشخص، فليت الذين يزكون الناس يتوقفون عند ذلك، فلا يزكون إلا من توفرت فيه شروط التزكية؛ لأن التزكية شهادة، فإذا كانت التزكية غير صحيحة صارت شهادة زور.
قوله: (قد اجتمعت فيه خصال السنة) خصال السنة تكون في العقيدة وفي العلم وفي العمل وفي الاقتداء بالسلف الصالح، أما أنه ليس فيه إلا خصلة واحدة فلا تحكم عليه أنه من أهل السنة بموجب خصلة واحدة أو شيء واحد، فكيف بمن ليس عنده شيء منها؟!
مشيخة ابن الحطاب 1 / 116 موسوعة خطب المنبر 1 / 3718
قال سمعت سفيان بن عيينة رحمه الله وسئل عن قول الناس السنة والجماعة وقولهم فلان سني جماعي وما تفسير السنة والجماعة فقال الجماعة ما اجتمع عليه أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم من بيعة أبي بكر وعمر والسنة الصبر على الولاة وإن جاروا وإن ظلمواً .
قال عبد المحسن العباد حفظه الله في شرح سنن أبي داود 26 / 268
السؤال: من كان جاهلاً وعمل ببدعة وهو يظن أنه يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى، فهل يثاب على عمله ذلك ويعذر بجهله؟ الجواب: الأصل أن البدع مردودة على صاحبها، سواء عمل بها الإنسان وهو عالم، أو عمل بها وهو جاهل.
صحة مقولة فلان سني مبتدع
وقال أيضاً في شرح سنن أبي داود 26 / 269
السؤال: هل يجوز أن يقال: فلان سني مبتدع؛ لكونه يقول بقول أهل السنة في الأسماء والصفات والربوبية والألوهية، ولكن عنده بعض البدع كالأذان على القبر؟ الجواب: لا يقال: سني مبتدع، وإنما يقال: سني عنده بدعة، أو عنده بعض البدع، وأما سني ومبتدع فهما ضدان، فمعنى سني: أنه على السنة، ومعنى مبتدع: أنه ليس على السنة، وأما أن يكون عنده بدعة، أو عنده مخالفة، أو عنده بعض من الأمور التي تحذر، فهذا يمكن وجوده في السني، وهو مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : (إنك امرؤ فيك جاهلية) فلم يقل له: إنك جاهلي، أو إنك من أهل الجاهلية، ومعنى الحديث: فيك خصلة من خصال الجاهلية. شرح سنن أبي داود 516 من أعظم النعم على المسلم أن يسن خيراً ثابتاً في الشريعة مسبقاً لم يكن يفعل، بل كان مجهوراً، فمن كان سبباً في إحياء وإظهار هذا الخير بين الناس، فله أجر من فعله، وفي مقابل هذا: من سن منكراً أو بدعة فاقتدى به الناس في ذلك فعليه أوزار من تبعه، والعياذ بالله، فياويل من فتحوا دور البغا، أو أحدثوا بدعة في دين الله، أو شرعوا تشريعات تضاهي شريعة الله، كم من الآثام سيحملون؟ والأوزار سيقلون؟ .
شرح الورقات في أصول الفقه - للصقعبي 31
هنا مسألة: المندوب يسميه الأصوليون مندوباً والفقهاء يسمونه سنه. فإذا قرأت في كتب الفقه قولهم ( سنة ) فإنهم يريدون المندوب, أهل العقيدة إذا أطلقوا لفظ السنة لا يريدون بها الاصطلاح الفقهي, وإنما يريدون بها ما يقابل البدعة, وعندما يقال فلان سني فليس المراد أنه يكثر النوافل وإنما المراد أنه ليس من المبتدعة ويقولون مثلاً سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقصدون بها الموافق للشريعة لأنهم في باب العقائد الذي لا يوافق الشريعة من البدعة, ولذلك حملوا قول ابن عباس في تفسير قول الله - عز وجل - { يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ } , قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة, لاحظي جعل السنة في مقابل المبتدعة وهذا هو الإطلاق المتعارف عند أهل العقيدة ( أن السنة تكون في مقابل البدعة ).
وقال الأصبهاني رحمه الله في الحجة في بيان المحجة 2 / 411
فقولهم فلان على السنة ومن أهل السنة أي هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول ، ولأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله . فإن قيل كل فرقة تنتحل اتباع السنة ، وتنسب مخالفيها إلى خلاف الحق ، فما الدليل على أنكم أهلها دون من خالفكم ؟ قلنا : الدليل على ذلك قول الله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . فأمر باتباعه وطاعته فيما أمر ونهى .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ' عليكم بسنتي ، ومن رغب عن سنتي فليس مني .
وعرفنا سنته بالآثار المروية بالأسانيد الصحيحة ، وهذه الفرقة الذين هم أصحاب الحديث لها أطلب وفيها أرغب ولصحاحها إتبع . فعلمنا بالكتاب والسنة أنهم أهلها دون سائر الفرق لأن مدعي كل صناعة إذا لم يكن معه دلالة من صناعته يكون مبطلاً في دعواه ، وإنما يستدل على صناعته كل صاحب صنعة بآلته ، فإذا رأيت الرجل فتح باب دكانه ، وبين يديه الكير ، والمطرقة ، والسندان علمت أنه حداد ، وإذا رأيت بين يديه الإبرة والمقراض علمته أنه خياط ، وكذلك ما أشبه هذا ، ومتى قال صاحب التمر لصاحب العطر : أنا عطار . قال له : كذبت أنا هو وشهد له بذلك كل من أبصره من العامة . وقد وجدنا أصحابنا دخلوا في طلب الآثار التي تدل على سنن النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوها من معادنها وجمعوها من مظانها وحفظوها ، ودعوا إلى اتباعها وعابوا من خالفها ، وكثرت عندهم وفي أيديهم حتى اشتهروا بها كما اشتهر البزاز ببزه ، والتمار بتمره ، والعطار بعطره ، ورأينا قوماً تنكبوا معرفتها واتباعها وطعنوا فيها وزهدوا الناس في جمعها ونشرها ، وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال ، فعلمنا بهذه الدلائل أن هؤلاء الراغبين فيها وفي جمعها وحفظها واتباعها أولى بها من سائر الفرق الذين تنكبوها ، لأن أتباعها عند العلماء هو الأخذ بسنن النبي صلى الله عليه وسلم التي صحت عنه التي أمر بالأخذ بما أمر ، والانتهاء عما نهى ، وهذه دلالة ظاهرة لأهل السنة باستحقاقهم هذا الاسم دون ما اتبع الرأي والهوى .
فإن قيل : الأمر كما قلت . غير أن كل فرقة تحتج لمذهبه بحجة ، قيل : من احتج بحديث ضعيف في معارضة حديث صحيح ، أو حديث مرسل في معارضة حديث مسند ، أو احتج بقول تابعي في معارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يتساويان . فإن من اتبع قول الرسول فقد استمسك بما هو الحجة قطعاً ، ومن احتج بالثابت القوي أحسن حالاً ممن احتج بالواهي الضعيف ، وبهذا استبان الاتباع من غيره ، لأن صاحب السنة لا يتبع إلا ما هو الأقوى وأصحاب الأهواء وصاحب الهوى يتبع ما يهوى .
سمعت سهل بن عبد الله يقول وقيل له متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة
قال إذا عرف من نفسه عشر خصال
لا يترك الجماعة
ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف
ولا يكذب بالقدر
ولا يشك في الايمان
ولا يماري في الدين
ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب
ولا يترك المسح على الخفين
ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل
قال سمعت شعيب بن حرب يقول قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه فقال لي من اين أخذت هذا قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت
فقال يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد اكتب
بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كفر
والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يجوز القول إلا بالعمل ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة
قال شعيب
فقلت له يا أبا عبد الله وما موافقة السنة
قال تقدمة الشيخين ابي بكر وعمر رضي الله عنهما
يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمانا وعليا على من بعدهما يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنته ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله وكلهم من قريش
يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما اعدل عندك من غسل قدميك
يا شعيب بن حرب ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون اخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما
يا شعيب بن حرب لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره كل من عند الله عز وجل
يا شعيب بن حرب والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا ما قالت الملائكة ولا ماقالت النبيون ولا ما قال أهل الجنة ولا ماقال أهل النار ولا ما قال اخوهم ابليس لعنه الله
قال الله عز وجل أفرأيت من اتخذ إلهة هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصر غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقال تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله وقالت الملائكة سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم وقال موسى عليه السلام إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء
وقال نوح عليه السلام ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون
وقال شعيب عليه السلام
وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما
وقال أهل الجنة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وقال أهل النار غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين
وقال أخوهم ابليس لعنه الله رب بما أغويتني
يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر والجهاد ماض إلى يوم القيامة والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل
قال شعيب فقلت لسفيان يا ابا عبد الله الصلاة كلها
قال لا ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من ادركت واما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة
يا شعيب بن حرب إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن هذا الحديث فقل يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري ثم خل بيني وبين ربي عز وجل
قال حدثنا بكر بن الفرج أبو العلا قال سمعت سفيان بن عيينه يقول السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة
اثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل
والقرآن كلام الله
وعذاب القبر
والبعث يوما لقيامة
ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم,,,


كتبه:
أبو سفيان الزيعلي.

__________________________________________________
[1] ) الأنساب2/ 125سير أعلام النبلاء 17/455

[2] ) تاريخ بغداد12 /66 طبقات الحنابلة 2/58

[3] ) المنتظم 14/14

[4] ) البداية والنهاية 11/213

[5] ) سير أعلام النبلاء 15/90

[6] ) طتقات الحنابلة 2/18

[7] ) وكان السلف شديدين على أهل البدع والأهواء

[8] ) المنتظم 14/14

[9] ) البداية 11/150

[10] ) طبقات الحنابلة 2/18

[11] ) الأعلام 2/ 201

[12] ) شرح السنة لابن أبي عاصم 16-21

[13] ) الوافي بالوفيات 4/73

[14]- قال حسان بن عطية – رحمه الله -: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلى نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة", وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – كما في مجموع الفتاوى 7/173- -: وهكذا أهل البدع لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها, والعمل إلا وقع في بدعة, ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة كما جاء في الحديث: " ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها ". رواه الإمام أحمد , وقد قال تعالى: فنسوا حظّاً ممّا ذكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء- المائدة: 14, فلما تركوا حظاً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء, وقال تعالى: ومن يعش عن ذكر الرّحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرينٌ- الزخرف: 36, أي: عن الذكر الذي أنزله الرحمن, وقال تعالى: فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى - ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى- طه: 123-124- وقال: اتّبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون- { الأعراف:3} فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر ولهذا قال ويتّبع غير سبيل المؤمنين- {النساء: 115} قال العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعاً غير سبيلهم فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.

[15]- من حديث عرباض بن سارية عند أحمد والترمذي وأبو داودو والنسائي وصححه الشيخان

[16]- سبق تخريجه ص/46-.

[17]- أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنهما .

[18]- متفق عليه من حديث عمران بن الحصين – t -.

[19]- رواه الإمام أحمد في المسند 2/165,1 187-, وابن أبي شيبة في مصنفه, رقم 26297- وأبو داود في سننه رقم 5005- والترمذي في سننه رقم 2853- والطبراني في المعجم الأوسط رقم 9030-, والبزار في مسنده رقم 2452- وغيرهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها" قال الترمذي: " حسن غريب" وصححه أبو حاتم في العلل 2/341-. والألباني .

[20]- رواه البخاري في صحيحه رقم 4851- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, ورواه مسلم في صحيحه 869-. عن عمار بن ياسر رضي الله عنه .

[21]- متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه واللفظ للبخاري.

[22]- رواه الإمام أحمد في المسند 5/ 183-, وأبو داود في سننه 3/322 رقم 3660-, والترمذي في سننه 5/33 رقم 2656-, والدارمي في سننه 1/86 رقم 229- وابن حيان في صحيحه 1/270 رقم 67- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال الترمذي: حديث حسن, وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة 4/212-. وصححه الشيخان.

[23]- رواه الطيالسي في مسنده رقم 244-, والإمام أحمد في المسند 1/ 435, 465- وسعيد بن منصور في سننه رقم 935- والدارمي رقم 202- والنسائي في الكبري رقم 11175- وابن جرير في تفسيره 8/88- وابن أبي عاصم في السنة رقم 17- ومحمد بن نصر في السنة رقم 12, 13- وابن أبي حاتم في تفسيره رقم 8102- والبزار في مسنده رقم 1694, 1718, 1865- والشاشي في مسنده رقم 535- 537- وأبو نعيم في الحلية 6/ 263- وابن حبان في صحيحه رقم 6- وابن وضاح في البدع والنهي عنها ص/31- والحاكم في المستدرك 2/318- واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد رقم 92-93- والبغوي في شرح السنة 1/196- وفي تفسيره 2/142- وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وصححه غيرهم من أهل العلم.

[24] ) كم قالوا علي هذا القول الخبيث المجرم على فضيلة الإمام المجاهد الصبور الشيخنا يحيى بن علي الحجوري حفظه الله تعالى من جملة هذه الوساوس الشيطانية .

[25]- رواه الإمام أحمد في المسند 4/132-، والدارمي في سننه1/153رقم586-، وأبو داود في سننه 4/200 رقم 4604-, والترمذي في سننه 5/35 رقم 2664- , وابن ماجه في سننه 1/6 رقم 12-, وابن حبان في صحيحه 1/189 رقم 12-, والحاكم في المستدرك على الصحيحين 1/191- وغيرهم عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن غريب, وقال الحاكم: إسناده صحيح وصححه الشيخان.

[26]- رواه الإمام أحمد في المسند في صحيحه 5/183-, وابن ماجه رقم 230-, وابن أبي عاصم في السنة 94- وابن حبان في صحيحه رقم 67- وغيرهم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة 3/206- وصححه الشيخان.

[27]- متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

[28]- رواه مسلم في صحيحه 2/943 رقم 1297- عن جابر رضي الله عنهما.

[29]- متفق عليه من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

[30] - وفيه رد على جماعة الحسنية يقودها أبا الحسن المأربي وهي عقيدة المعتزلة .

[31]- متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[32]- متفق عليه من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه, واللفظ للبخاري.

[33]- متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[34]- متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.

[35]- متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[36]- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم , فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ,، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني- متفق عليه.

[37]- روى مسلم في صحيحه 2/1020رقم1401- عن أنس رضي الله عنه : أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , عن عمله في السر فقال بعضهم: لا تزوج النساء وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.

[38]- رواه الإمام أحمد في المسند5/196-، والدارمي في سننه1/110رقم342-، وأبو داود في سنته3/317رقم3641-، والترمذي في سنته 5/48رقم2682-، وابن ماجه1/81رقم223- وابن حبان في صحيحه1/189رقم88- والطحاوي في شرح مشكل الآثار 3/10رقم982- وغيرهم من حيث أبي الدرداء رضي الله عنه. والحديث حسنه حمزة الكناني ، وصححه ابن حبان والطحاوي والألباني.

[39]- رواه الإمام أحمد في المسند4/132-، والدارمي في سننه1/153رقم586-، وأبو داود في سننه 4/200رقم4604-، والترمذي في سننه 5/35رقم2664-، وابن ماجه في سننه1/6رقم12-، وابن حبان في صحيحه1/189رقم12-، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 1/191- وغيرهم عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن غريب ، وقال الحاكم: إسناده صحيح وصححه الشيخان.


التعديل الأخير تم بواسطة أبوسليم عبد الله الصومالي ; 16-04-12 الساعة 07:41 PM
أبوسليم عبد الله الصومالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
[زجر السفهاء عن اتباع الهواء ورخص الفقهاء] لشيخنا أبي سفيان الزيلعي حفظه الله وأيده أبوسليم عبد الله الصومالي الردود العلمية للدفاع عن السنة النبوية 0 13-04-12 09:56 AM
[بعض فوائد حول البدعة] لأخينا الفاضل أبي محمد سعيد السعدي. أبوسليم عبد الله الصومالي الـــعــــــــــــام 0 31-03-12 05:31 PM
جرح المجروح بكلام أهل الجرح لأخينا الفاضل أبي سفيان الزيلعي أعانه الله أبو إبراهيم المصطفى موقدار الردود العلمية للدفاع عن السنة النبوية 0 24-03-12 12:49 PM
تحذير الناس من أصول ابتدعها أناس. تأليف :أبي سفيان الزيلعي أبو إبراهيم المصطفى موقدار الردود العلمية للدفاع عن السنة النبوية 0 11-03-12 03:00 PM


الساعة الآن 10:13 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises
new notificatio by 9adq_ala7sas
منتديات الحامي السلفية

الحقوق محفوظة للجميع شرط ذكر المصدر